شؤون قانونية

أريد أن أخلعه

أريد أن أخلعه

أريد أن أخلعه

المحامي بسام العطري
المحامي بسام العطري

مما لا شك فيه أن الأعمال السينمائية والدرامية المصرية قد شكّلت ظاهرة ملفتة في العقود المنصرمة وذلك بسبب انتشار تلك الأعمال في مختلف الأقطار العربية ، مما حدا بكثير من النقّاد والكتّاب إلى تسميتها “السينما العربية” بسبب تخطيها واقعها المحلي وانتشارها عربياً.
ومن الطبيعي والحال كما ذكرنا أن ُترسي تلك الأعمال الكثير من المفاهيم في الأقطار العربية التي راجت وانتشرت فيها، حتى لو تباينت واختلفت نسبياً مع واقع تلك الأقطار ، ومن تلك المفاهيم المغلوطة التي انتشرت وشاعت بعض المفاهيم القانونية التي كرّستها ما سمّاه النقاد اصطلاحاً ( الأفلام العربية ) والسبب الرئيسي في تلك المغالطات يرجع في الأساس إلى اختلاف بعض النصوص القانونية بين مصر وغيرها من الأقطار العربية ، سواء كان ذلك في قانون العقوبات أو القانون المدني أو قانون الأحوال الشخصية ، وإن كانت تلك التشريعات في جلّها مستوحاة أو مترجمة أو مستمدة من القوانين الفرنسية، باستثناء قانون الأحوال الشخصية، حيث استمدت معظم الأقطار العربية نصوصه من آراء الفقهاء المسلمين، أو من بعض نصوص مجلة الأحكام العدلية (التي كان معمول بأحكامها في فترة الاحتلال العثماني)..

ومن الأفكار التي راجت وانتشرت في العشرين سنة الأخيرة فكرة ” الخُلع ” أي أن تذهب الزوجة إلى القاضي الشرعي فتتنازل عن حقوقها الشرعية والزوجية من مهر معجل ومؤجل ونفقة على أن يخلعها القاضي الشرعي من عصمة زوجها، وبناء على ذلك أصبحنا نرى كثيراً من الزوجات عند الخلاف مع أزواجهن يرددن العبارة المصرية الفكاهية ” أنا عاوزة أخلعه”.
في مساء شتوي فوجئت بزيارة غير متوقعة من أحدى قريباتي التي دخلت المكتب والأرض ترتج تحت قدمها لفرط غضبها ، وبعد التحية والسلام وجدُتها تدخل في صلب الموضوع مباشرة وبإيجاز وتركيز شديدين:
– إذا سمحت أريد أن أخلع زوجي ، وأريدك أن تباشر لي الإجراءات منذ الغد ، أريد أن أنتهي منه بأسرع ما يمكن.
ابتسمتُ لها بود وهدوء وسألتها:
ما أسباب الخلاف بينكما حتى تريدين الانفصال عنه؟
أجابتني بعصبية واقتضاب:
شخص لا يُطاق، وأنا متنازلة له عن كل شيء، فقط أريد أن أنتهي منه..
أجبتها بتروٍ:
من الذي أخبرك أنه بإمكانك أن تخلعي زوجك بمثل هذه السهولة؟
-صديقتي اقترحت عليّ ذلك بعد أن رأت بعينها ما أعانيه من عذاب وسوء معاملة وحياة لا تطاق معه، فاقترحت عليّ أن أفعل ذلك..
– ولكن القانون لا يسمح لكِ بالخلع بإرادتك المنفردة دون موافقة زوجك على ذلك.
– كيف ذلك يا أستاذ ؟؟ أنا رأيت ذلك بنفسي..
– ماذا رأيتِ؟؟
-رأيت كيف أن الزوجة خلعت زوجها !!!
سألتها باستغراب:
أين رأيتِ ذلك؟ –
في فيلم “محامي خلُع” !!
الحقيقة أنني لم أستطع أن أمنع نفسي من الضحك بصوت عالٍ وأنا أتذكر ذلك الفيلم الفكاهي الظريف ومواقفه الضاحكة. اعتذرتُ لها عن ضحكتي تلك، وأردفتُ قائلاً:
يا عزيزتي هذا كلام أفلام ، الواقع يختلف عنه مئة وثمانون درجة ، في واقعنا العملي وفي أروقة المحاكم في بلدنا لا وجود لهذا الكلام وبهذه الطريقة والآلية التي تتحدثين عنها ..
سألتني:
كيف هي الآلية المعمول بها إذن؟؟؟
أجبتها بإسهاب:
أولاً يا عزيزتي هل تعرفين ما هو الخلع؟
الخلع هو فراق الزوجة بعوض يأخذه الزوج وذلك بألفاظ خاصة ، وقد أباح القرآن الكريم للزوجة أن تفتدي نفسها بمال تقدمه أو تدفعه للزوج لقاء طلاقها أو خلعها منه عندما تصل لمرحلة تبغضه فيها ولا تطيق منه شيئاً ، وقد ورد ذلك في سورة البقرة إذ قال تعالى:
“الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألاّ يقيما حدود الله فإن خفتم ألاّ يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به…” وأما في السنّة النبوية الشريفة فحادثة المرأة التي جاءت رسول الله معروفة جداً، إذ قالت له:
“ما أعتب عليه في خلق ولادين، ولكني لا أطيقه بغضاً”.
فقال لها عليه الصلاة والسلام:
“أتردّين عليه حديقته؟” قالت:
“نعم”، فقال رسول الله:
“اقبل الحديقة وطلقها تطليقة”.

أما المعمول به في القانون السوري هو أن المخالعة عقد رضائي يجب أن تتم برضا وموافقة وإرادة الزوجين الحرة والواعية والمعتبرة شرعاً وقانوناً حتى تنفذ ، ويتم تثبيتها قضاءً ، والمخالعة يمكن أن تكون شفهية أي باللفظ وممكن أن تكون بالكتابة إذا قرأها الزوجان وفهما معناها – كما نصت المادة 96 من قانون الأحوال الشخصية السوري ، ووفقاً للتعديل الأخير لهذا القانون لم تعد تعتبر المخالعة واحدة من الطلقات الثلاثة ، بل أصبحت فسخاً لعقد الزواج ، يمكن للزوجين أن يرجعا لبعضهما بعده ولكن بعقد جديد ومهر جديد وطلقات ثلاثة جديدة وهذا ، ما جاءت به المادة 100 الجديدة في القانون المذكور.

صمَتتْ طويلاً، ثم سألتني:
والخلاصة يا أستاذ؟؟ ماذا أفعل؟؟ أجبتها بوضوح:
الخلاصة يا عزيزتي أن المخالعة هي عقدٌ بين طرفين، مثله مثل أي عقدٍ آخر ، لا بد فيه من إيجاب وقبول ، ولا يتم إلا بموافقة الزوجين ، ولا يمكن لأحدهما إجراء المخالعة دون قبول ورضا الطرف الآخر … أما ماذا تفعلين يا سيدتي الفاضلة ، فلا سبيل أمامكِ – إذا لم يقبل زوجك بإجراء المخالعة الرضائية – إلا اللجوء إلى القضاء الشرعي وطلب التفريق لأحد الأسباب التي حددها قانون الأحوال الشخصية ، ومنها التفريق لعلة الشقاق والضرر.

بسام العطري
محام ومستشار قانوني- سوريا

زر الذهاب إلى الأعلى