
اغتصاب وافتراء -1

في كثير من الأحيان عند حدوث الخلافات واستفحالها ووصولها إلى ساحات القضاء، يلجأ بعض المتخاصمين إلى إقامة دعاوى جزائية يختلقون وقائعها وتفاصيلها وقصصها من نسج خيالهم، أو يقومون بتضخيم تلك الوقائع بحيث تتحول إلى أفعال جرمية يعاقب عليها القانون، وذلك كله بهدف الضغط على خصمهم وابتزازه للحصول على مكاسب غير مشروعة، أو قد تكون مشروعة، لكنهم يلجؤون إلى وسيلة غير مشروعة لا تبررها الغاية، وقد تكون الغاية من هذا التلفيق والاختلاق مجرد الرغبة بالكيد والانتقام من الخصم وذلك عبر زجه بدعاوى جزائية محرجة يصعب تجاوزها والإفلات من فخاخها.
أكثر ما يؤسفني هو ما يقوم به بعض المحامين المحسوبين على المهنة بغير وجه حق من مسايرة الموكل ومحاباته من خلال اقتراحهم عليه تلك السيناريوهات البائسة التي أقل ما توصف به أنها مخزية، والمفارقة أنهم من حيث النتيجة يؤذون موكلهم عبر توريطه بتلك الادعاءات الكاذبة التي ستنقلب عليه وبالاً لا فكاك منه في نهاية المطاف عندما يقوم الخصم بملاحقة موكلهم قضائياً بجرم الافتراء واختلاق الجرائم، هذا الجرم الذي نص عليه قانون العقوبات السوري في المواد 392 و 393 و 394.
وجدير بالذكر أن المشرّع اعتبر الافتراء جناية إذا كان الفعل المعزو جناية، وجنحة إذا كان الفعل المعزو جنحة، ولهذا السبب كنتُ دائماً أختلف مع كل موكل يحاول أن يلجأ إلى هذا الأسلوب الملتوي بالضغط على خصمه، وكنتُ أنصح دائما بعدم سلوك هذه الطريق لأنها ستؤذيه بالنتيجة وتدور عليه دوائرها ليقع فريسة ما جنت يداه…
حوالي الساعة الرابعة فجراً في ليلة من ليالي شتاء سنة 2000 تعالى رنين جوالي بإلحاح غريب…
جاء صوتها يملؤه الفزع والرعب وهي تقول:
آسفة للاتصال في هذا الوقت يا أستاذ، أرجوك أن تنقذني من هذه المصيبة، لقد جاءت الشرطة اليوم ظهراً لتلقي القبض عليّ لأسباب لا أعرفها.
أجبتها برحابة صدر:
حسناً.. ولكن ما من شيء نفعله الآن… غداً صباحاً.. عفواً، أقصد اليوم صباحاً ممكن أن نتابع الموضوع في قسم الشرطة ونعرف الأسباب.
التقينا صباحاً في المكتب، وانطلقنا بسيارتي إلى قسم الشرطة، وعند وصولنا هناك طلبتُ منها بعد أن توقفتُ بعيداً عن القسم أن تبقى في السيارة ولا تغادرها مهما كانت الأسباب!
دخلتُ إلى قسم الشرطة وقصدتُ على الفور المفرزة المسؤولة عن متابعة الموضوع، وبعد السلام والتحية والتعارف دعاني رئيس المفرزة إلى كأس من الشاي، وبعد ذلك سألته عن المشكلة التي يطلبون موكلتي لأجلها، فأجابني بأنه لا يعرف بالضبط، كل الموضوع أنه ثمَّ مذكرة إحضار صادرة بحقها عن قاضي التحقيق.
دوّنتُ على ورقة صغيرة رقم المذكرة وشكرته على تعاونه، وقصدتُ القصر العدلي فوراً للوقوف على حقيقة الموضوع.
لم يكن قاضي التحقيق قد وصل بعد عندما دخلتُ دائرته، فوجدتُ الكاتب يرتب الملفات.
ألقيتُ عليه تحية الصباح وسألته عن ملف موكلتي، فعرفه على الفور وأخرجه لي من بين الملفات الموضوعة على مكتب قاضي التحقيق، وقال لي:
اطلع عليه يا أستاذ واقرأ بنفسك، لا أكتمك سراً أن الأستاذ مزعوج جداً من الموضوع وينوي توقيف موكلتك عندما تحضر!
تناولتُ الملف وبدأتُ بالاطلاع عليه سريعاً وقراءة الوثائق المهمة منه وتدوين ما يهمني من فقرات تلفت نظري في مجريات وسير ذلك الملف، وعندما اكتملت الصورة تماماً في ذهني أغلقتُ الملف وأعدته للكاتب شاكراً له جزيل الشكر.
اتصلتُ بموكلتي وطلبتُ منها موافاتي على الفور إلى القصر العدلي لأناقش معها موضوع الملف.
التقينا في القصر العدلي، فبادرتها قائلاً:
ما هذا الذي ورطتِ نفسك به يا سيدتي؟ وكيف تجرؤين على فعل ذلك؟
أجابتني برعيب متناهٍ:
ما القضية؟ ماذا هناك؟ أجبتها بعصبية:
طبعاً تعرفين (فلان) أليس كذلك؟
أجابت:
نعم أعرفه.. هو قريب زوجي وبينهم خلافات إرثية كبيرة تتعلق بوالد زوجته التي هي شقيقة زوجي…
قاطعتها:
ونتيجة تلك الخلافات قمتِ بالافتراء على الرجل بهذه التهمة الشنيعة؟
أجابت:
أية تهمة يا أستاذ؟ أنا لم أفترِ على أحد، ولا علم لي بشيء…
قلتُ لها بغضب:
كيف ذلك؟ أنتِ ادعيتِ أن الرجل قد دق باب بيتكم وسأل عن زوجك، وعندما أخبرته أنه غير موجود دفعكِ إلى الداخل وهجم عليكِ يريد اغتصابكِ، وقمتِ بتنظيم ضبط شرطة أصولي بذلك لدى قسم الشرطة الذي يقع منزلكم في نطاقه.
اتسعت حدقتا السيدة ذهولاً، وشرعت تحلف الأيمان المعظَّمة أنها لم تفعل شيئاً من هذا!!
تابعتُ حديثي:
لقد جاء الرجل بشهود أكدوا وجوده في التاريخ والساعة التي زعمتِ بها وقوع الحادثة في مكان عمله وأنه لم يغادره نهائياً حتى المساء، وبناءً على ذلك قرر القاضي براءته من الفعل المنسوب إليه.
ورداً على الفضيحة التي تسببتِ له بها حيث أحضرته الشرطة مخفوراً من مكان عمله إلى قسم الشرطة ومن ثم إلى القصر العدلي وعلى مرأى ومسمع من الناس والجيران بجرم الشروع بالاغتصاب، قام الرجل برفع دعوى افتراء جنائي واختلاق جرائم بحقك، وتبعاً لذلك فقد أصدر قاضي التحقيق أمراً بإحضارك إلى دائرته للتحقيق معك، وسيقوم بتوقيفك وإيداعك في سجن النساء على ذمة القضية المنظورة أمامه.
(يتبع)…
بسام العطري محام ومستشار قانوني – سوريا