
الحياة بين الفهم والجهل: هل تصفو للجميع؟
خاص الدنيا
تَصفُو الحَيَاةُ لِجَاهِلٍ أو غَافِلٍ عَمَّا مَضَى فيها وما يُتَوَقَّعُ
وَلِمَنْ يُغالِطُ في الحَقَائِقِ نَفسَهُ وَيَسُومُها طَلَبَ المُحَالِ فَتَطمَعُ
وفق رؤية شاعرنا “المتنبي”، فإن الحياة لا تصفو لمن يلحظ الدنيا بعين المعرفة ويتأملها تأمل الدراية والتجربة، وإنما تصفو هي لجاهل لا يعرف عواقبها فيتوقعها، أو غافل لا يمتثل تصاريفها فيتذكرها.
في الواقع، قد تصفو الحياة لجاهل لا يتعقل أحوالها ومصايرها، أو غافلٍ ذهل بحاضرها عما مضى فيها من العِبَر، وما يتوقع من مثل ذلك في نفسه.
إذ لا شيء ثابت في معايير الحياة وقوانينها التي وجدتها استنسابية دائماً ومتحركة، وربما الحياة بحد ذاتها كثيراً ما تبدو كامرأة لعوب مزاجية إلى حد كبير ومتقلبة.
أتراها الحياة تصفو حقاً وفعلاً للغافلين والجاهلين؟ كثيرون يسألون أنفسهم هذا السؤال، وكثيرون يعجزون عن الإجابة عنه تبعاً لاختلاف تحديدهم لمفهوم السعادة والراحة. الأمر الذي أصبح الاتفاق على تحديده “رابع” المستحيلات، إن كانت هناك ثلاثة.
هناك من يرى السعادة في “الصحة”، فيما يراها آخرون في “الطمأنينة”. وهناك من يجدها في “الغنى”، وآخرون يدركونها في القوة والشهرة.
خلاف كبير، قد تمضي أعمار وأجيال من الناس دون أن يلتقوا على تحديد لهذا المفهوم. ولكن هل صحيح أن صفاء الحياة مقصور على الجهلة والغافلين والمحدودين؟
أكاد أشك كثيراً في تعميم هذا الرأي. ولعلي أميل إلى الظن أن شاعرنا الجليل “المتنبي” كان واقعاً تحت تأثير ما نسميه بخيبة الأمل، أو تحت وطأة تجربة شخصية غير متكافئة. ومع أني قد عرفتُ في دروب الأيام والليالي نماذج كثيرة جداً من الغافلين والجاهلين كانت الحياة معهم كريمة أكثر بكثير من أشخاص آخرين أدركوا معانيها واكتنوا عبرها دروسها وخططوا جيداً لتقلبات أيامها ولياليها.
ولئن كان لكل منا مقاييسه في صفاء الدنيا وسعادتها، فإن صفاء الحياة – بتقديري – يكمن في القناعة والرضا أولاً، وفي الحب الذي أراه نعمة وغيابه نقمة. ثم في تمام الصحة والنجاح والتألق، وفي محبة الناس دون نسيان الطمأنينة التي نفتقدها في مرحلتنا هذه ونتوق إليها.
د. سامر العطري