اخبار الدنياسورية والعالم
أخر الأخبار

الكلب والرئيس

الكلب والرئيس

الكلب والرئيس

خاص الدنيا – د. سامر العطري

د. سامر عبدالغني العطري

تركت المجلة وسرحت بخيالي وعادت بي الذكرى لمنتصف الثمانيات، كنت معروفاً بشغفي بالعمل، كان علي الانتهاء من عمل عاجل حين دخل شابين يحملا حقيبة جلدية قدما لي كتاباً عن حافظ الأسد من تأليف أحد المسؤولين!، وطلبا بكل صفاقة ان اشتري “بعض النسخ” بمبلغ 500ليرة سورية لكل نسخة علماً أن السعر المدون على الكتاب 275ل.س…

اعتذرت منهما بلباقة، الا أنهما الحا بالطلب..
ومالبثا أن كررا الطلب مع نبرة تهديد واضحة تحولت مع رفضي طلبهما لوعيد واضح…
فثارت ثائرتي وقلت لهما:
تضًرب منك له… انقلعوا من هنا.

في اليوم التالي حضر لمكتبي شخص وسلمني ورقة بضرورة مراجعة الفرع 251!!…

اتصلت بصديق و رويت له ماحدث ليتبين أن الشابين قدما تقريراً باني قلت لهما: تضربوا انتو وحافظ الأسد…
وان الأمر اتخذ منحى خطير جداً وأن امراً بتوقيفي قد صدر بمجرد دخولي للفرع..
ونصحني بالتواري ريثما ينجح بطي الموضوع…

وفعلاً قضيت حوالي 20يوماً مختبئاً في بلودان في فصل الشتاء حيث لا أحد، متجنباً استخدام الهاتف وكل مايدل على وجودي…
حتى أرسل صديقي من يطمئنني بأن الموضوع قد تم حله بما يشبه المعجزة وأنه اضطر للقول باني مضطرب عقلياً ولا يمكن مؤاخذتي على ما يصدر مني من اقوال وأفعال!!.

ما اثار هذه الذكريات هو مقال للصحافي المخضرم الاستاذ “نهاد الغادري” وقدر ذكرتني بالقصة التي أطاحت باللواء علي حيدر “كان قائد القوات الخاصة ومن أهم جنرالات الأسد”، ذلك أنه أيام حافظ الأسد كان اللواء علي حيدر هو ومجموعة من كبار ضباط النظام بانتظار بشار الأسد “كانت رتبته عقيد على ا أذكر” الذي بالغ بالتأخر عن موعده، فقال علي حيدر للحضور بغضب:
شو بدنا نقعد ننتظر هالولد!!..
وغادر غاضباً.

وصلت القصة لحافظ الأسد، فأمر رئيس شعبة المخابرات باعتقال على حيدر ومعاقبته، حيث تم سجنه لمدة شهر وجرى تسريحه من القوات المسلحة وتجريده من رتبته العسكرية وكل ميزاته.

كل هذا لأنه وصف ابن الرئيس بكلمة “ولد”

دعونا نقرأ ماذا فعل نهاد الغادري مع “الرئيس” الراحل شكري القوتلي، وادعوكم للترحم عليه وعلى رجال زمان و ديمقراطيتهم  و وطنيتهم الصادقة، القصة يرويها الاستاذ غادري ونشرها بأكثر من موقع بعنوان:

يوم علقت صورة الرئيس في عنق كلب؟

في الأربعينات من القرن الماضي خرجنا في مظاهرة ضد الرئيس شكري القوتلي وكان رئيسا للجمهورية وعلقنا صورته في رأس كلب ، ألقيت كلمة في المتظاهرين ضد النظام والرئيس،

أصدر وزير الداخلية صبري العسلي أمرا بنفيي إلى القامشلي وإقامة جبرية فيها لمدة عام ،

حملني الدرك من البيت ومضى بي في سفرة طويلة إلى القامشلي، هناك سلمني الدرك للأمن العام مع أمر الإقامة ..

كان رئيس الأمن العام من بلدي في أريحا وهو الملازم أحمد سخيطة فيما أذكر ، وبموجب الإقامة الجبرية أستطيع أن أعمل وأتواصل وأفعل ما أريد فقط يجب أن أحضر كل يوم في الثامنة صباحا للأمن العام لأوقع في دفتر دوام أؤكد فيه وجودي، كانت أياماً شديدة ولم أكن أملك موردا للرزق أعيش به ..

اتصلت بالصديق عمر أبو ريشة ورويت له ماحدث معي ، طلب مني أن أذهب إلى دائرة الميرة وأقابل مديرها خيري رضا، قال لي إنه سيكلمه وهو صديق له، ذهبت في اليوم التالي، طلبت مقابلة المدير، انتظرت ، ثم أدخلني الآذن ، نظر إلي مستغربا ربما أن أكون صديقا لعمرأبي ريشة وهو يكبرني سنا وموقعا ،
سألني ماالذي أتى بك للقامشلي فرويت له القصة، نظر إلي ضاحكا وقال :

عال عال تشتم الرئيس وتعلق صورته في رأس كلب وتريد التعيين في الدولة؟!

ثم طلب مني أن أنتظر، خرجت أنتظر وقد غلبني اليأس، انتظرت طويلا وحين هممت بالمغادرة ناداني الآذن أن أدخل، دخلت نظر إلي خيري رضا رحمه الله وقال:
يابني اتصلت بفخامة الرئيس القوتلي ورويت له قصتك، هل تعرف بماذا أجاب؟

هززت رأسي بالنفي، قال: لقد أمر الرئيس بتعيينك وقال:

ياخيري، شاب وغلط “شوبدك ياه يموت من جوعو؟!! عينو ياخيري عينو”، وتم تعييني في الميرة بمرتب تجاوز مرتبي في حلب بالصحيفة حيث كنت أعمل، ثلاثة اضعاف أو أربعة فيما أذكر.
هذا نموذج لذلك الزمن ورجاله،

وأضيف :
حاول أن تشتم الآن الرئيس ، أو أي حاكم عربي عسكري أو مدني في اي دولة عربية كانت وعلق صورته برأس كلب وانتظر، لا أعرف إذا كنت تبقى حياً .

ذلك كان زمن الرجال، أقول هذا ولم أكن من أنصار الرئيس القوتلي لامن قبله ولامن بعده ، ولكن ضوابط النظام والأخلاق هي التي منعته يومذاك من الإنتقام أوالتأديب وكان قادراً ان يعاقبني بالقانون، ولم أكن شيئاً مجرد شاب في مقتبل العمر يمارس حرية التعبير “خطأ أو صواباً” لافرق، بعد زمن طويل التقيت الرئيس القوتلي في لبنان زرته مع الصديق أحمد عسه رحمه الله أيضا ذكّرته بالقصة، لم يذكرها طبعاً ولكنه قال :
يا نهاد، من أجل هذه الحرية قاتلنا فرنسا وأردنا الإستقلال.

جميل رائع انت أيها الرئيس وليرحمك الله كنت رئيساً صادق الوطنية.

زر الذهاب إلى الأعلى