
زواج إلكتروني
بعد تطرقنا لموضوع الطلاق الإلكتروني في إحدى المقالات السابقة منذ عدة أسابيع، وبعد حديثنا المطوّل عن جواز وقوعه من عدمه من الناحيتين الشرعية والقانونية، أرسلت لي إحدى السيدات الفاضلات على بريدي الخاص تسألني إذا كان هناك بالمقابل شيء اسمه “الزواج الإلكتروني” وفي حال وجوده فعلاً فهي تسأل عن مدى شرعية وقانونية ذلك الزواج وكيفية وقوعه من حيث الإجراءات؟!
أجبتها بأن الزواج الذي يحصل اليوم عن طريق بعض التطبيقات مثل سكايب (Skype) وما شابهه هو زواجٌ صحيحٌ في حال استجمع شروطه وأركانه، إذ أن للزواج أركان وشروط لا يصح إلا بها سواءٌ كان عادياً أو إلكترونياً، وأول هذه الشروط حددتها المادة الأولى من قانون الأحوال الشخصية السوري عندما عرّفت الزواج بأنه: “عقد بين رجل وامرأة يحل كل منهما للآخر شرعاً غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل”. فأول الشروط أن يحل الرجل والمرأة لبعضهما بعضاً. وأما الشرط الثاني فهي صيغة الإيجاب والقبول التي تفيد معنى طلب الزواج أو عرضه والموافقة عليه ، وهذا يستدعي بطبيعة الحال أن يكون كل طرف من طرفي العقد متمتعاً بأهليته الشرعية والقانونية.
وقد نصت المادة /15/ من قانون الأحوال الشخصية على أنه “يشترط في أهلية الزواج العقل والبلوغ ” ونصت المادة /16/ على أنه “تكمل أهلية الزواج في الفتى والفتاة بتمام الثامنة عشرة من العمر”. ويشترط في الإيجاب والقبول –كما نصت المادة /11/ من قانون الأحوال الشخصية “أن يكونا متفقين في مجلس واحد وأن يكون كل من المتعاقدين سامعاً كلام الآخر وفاهماً أن المقصود به الزواج ، وأن لا يوجد من أحد الطرفين قبل القبول ما يبطل الإيجاب ، ويبطل الإيجاب قبل القبول بزوال أهلية الموجب وبكل ما يفيد الإعراض من أحد الطرفين”.
وتتحقق وحدة المجلس التي ذكرناها آنفاً في حالة الزواج الإلكتروني بأن يكون التطبيق مفتوحاً وكلا الطرفين مدرك وفاهم لما يجري وما يقال. ونصت المادة /12/ على أنه “يشترط في صحة عقد الزواج حضور شاهدين رجلين بالغين أو رجل وامرأتين مسلمين عاقلين بالغين سامعين الإيجاب والقبول فاهمين المقصود بهما”.
وبطبيعة الحال فإن هذا يتحقق في الزواج الإلكتروني عندما يكون التطبيق مفتوحاً ويرى الشاهدان الزوج والزوجة ويشهدان على العقد الذي تم من خلال الإيجاب والقبول بين طرفيه. وقد اشترط القانون موافقة ولي الزوجة إذا كانت بنتاً لم يسبق لها الزواج من قبل. وأيضاً يتحقق هذا الشرط في الزواج الإلكتروني من خلال تأكد الزوج والشهود من موافقة ولي الزوجة ومن خلال تأكدهم أن الحاضر أمامهم من خلال شاشة الجهاز عبر التطبيق الإلكتروني هو فعلاً وليها وأنه فعلاً موافق على هذا الزواج الذي يجري عبر الإنترنت.
اختلف الفقهاء في اعتبار كون الولي ركناً من أركان العقد، فذهب جمهور الفقهاء إلى اعتباره ركناً لا يتم العقد دونه. وأخيراً فلا بد من تحديد مهر للزوجة في عقد الزواج وهو ما يسمى بالصداق، لأن المهر حق للزوجة يجب لها بمجرد إتمام العقد الصحيح ، ويجوز تعجيل المهر أو تأجيله كلاً أو بعضاً وعند عدم النص يتبع العرف، والتأجيل في المهر ينصرف إلى حين البينونة أو الوفاة ما لم ينص العقد على أجل آخر. وقد نصت المادة /60/ أحوال شخصية على أن “المهر حق للزوجة ولا تبرأ ذمة الزوج منه إلا بدفعه إليها بالذات إن كانت كاملة الأهلية مالم توكل في وثيقة العقد وكيلاً خاصاً بقبضه، ولا تسري على المهر أحكام التقادم”.
بذلك ينعقد الزواج صحيحاً من الناحية الشرعية إذا استجمع هذه الشروط والأركان التي أوضحناها آنفاً. أما من الناحية القانونية فلا بد من توثيقه لدى المحكمة الشرعية، وهذا لا يتم إلا من خلال تثبيته بدعوى قضائية تسمى دعوى تثبيت زواج يمثّل فيها كل من الزوج والزوجة عبر وكلاء قانونيين أصولاً ويستوثق القاضي الشرعي من صحة العقد وتبادل الألفاظ واتحاد مجلس الإيجاب والقبول ووجود الشهود وعدم وجود الموانع الشرعية التي تمنع هذا الزواج، وتسمية المهر المعجل والمؤجل وموافقة الولي الشرعي للزوجة إذا كانت بنتاً لم يسبق لها الزواج من قبل.
بسام العطري
محام وميستشار قانوني- سورية