عبد الغني العطري: عبقرية الصحافة والأدب
عبد الغني العطري: عبقرية الصحافة والأدب

عبد الغني العطري: عبقرية الصحافة والأدب

الكـبار لا يموتون،، إنهم خالدون، باقون في وجدان التاريخ وضمير الأمة … تقف الأجيال – على مدى الأيام – اعتزازاً بما قدموا…وافتخارٱ بما أبدعوا.
عبد الغني العطري واحداً من هؤلاء الكبار الذين تركوا بصمتهم واضحة على صفحات الفكر والآدب…
عرفته أديباً متميزأ، وقرأته صحفياً رائداً، وعايشته إنساناً صادقاً…
كان دؤوبا مجداً، ومجتهداً صابراً… يعرف كيف ينظم وقته وكيف يستثمره خير استثمار ليعود نفعاً وفائدة على غيره قبل ذاته.
كان أسلوبه في الحياة ينم على إرادة قوية وشخصية متفردة… يستيقظ باكراً ويذهب بسيارته من منزله في نوري باشا إلى البحصة، حيث يوقفها، ويتابع ماشياً إلى مكتبه العتيد في السنجقدار… ذلك المكتب الذي يحمل من عبق دمشق وذكرياتها الكثير الكثير. ومن خلال الطاولة الخشبية الموجودة قبالك، عندما تدخل، والي تغص بالكتب والرسائل قديمها وحديثها، انطلقت إبداعات الراحل الكبير…
في عام 1941م أقدم العطري على مغامرته الأولى، والتي راهن . عليها كثيرون، فكانت (الصباح) وفي العام 1945م جاءت (الدنيا) والتي كان صدورها وثبة كبيرة في الصحافة الأسبوعية السورية… وسجلتا، الصباح والدنيا، نجاحاً لا حد له، وبات النشر فيهما حلم الأدباء والأعلام لحرصهما على مستوى رفيع للنشر لم تحيدا عنه بهمة العطري ومتابعته الدائمة الدؤوبة … وتحققت الريادة الدائمة في مجال الصحافة، التي لم يأل العطري جهداً في رفدها بالمزيد من الأقلام والمسابقات والجوائز وأغناها بخطوة تسجل وهي إصداره كتاب الشهر…
وظل العطري، قبـل ذلك وخلالـه وبعده، إلى أن وافته المنية، يرفد الصحافة، خاصة الأدبية منها بالعديد من المقالات والقصص والدراسات…
ومنذ العام 1970م يمم العطري وجهه شطرالأدب، ترجمة وتاريخاً وإبداعاً، فأصدر: قلب ونـار، ودفاع عن الضحك، اعترافات شامي عتيق، همسات قلب، بخلاء معاصرون أتحف بها القراء على اختلاف أهوائهم ومشاربهم لأنها جاءت تعكس العديد من الأحداث والمشاهدات والقراءات الثرية.
فهو كما وصفه الروائي الكبير محمود تيمور؛ يحن إلى الكتابة الفنية، ويرسل قلمه بفصول طريفة في روحها وقدة الشباب . وفي أسلوبها نضرة الشباب…
وإيماناً من العطري أن لأصحاب المواهب والعبقريات في ذمتنا دين مستحق، وحق واجب الأداء، نشيد بما قدمـوا ونذكّر بتاريخهم المشرق فقد أصدر سلسلة العبقريات، التي كرس بإصدارها مهمة وطنية غاليــة. وحسبنا ما قاله الشاعر الكبير نزار قباني في تقريظ أحد اجزائها مخاطبا العطري: خمسون عاماً مرت وأنت لا تزال تختزن في ذاكرتك نجوم الشام نجمة نجمة، وأقمارها قمرٱ قمرٱ، وتحفظ أسماء أشجارها وأنهارها وعصافيرها وحمائمها وقططها وصبيانها وبناتها ومآذنها وأصوات مؤذنيها…
لم يغن العطري المكتبة العربية بإبداعاته المكتوبة فحسب، وإنما أغنى الفكر العربي والثقافة العربية عبر العديد من اللقاءات الإذاعية والتلفزيونية والتي كان يسارع في تلبية الدعوة إليها طالما ترفد الفكر القومي وتغذي الوجدان الوطني، فقد شرفت به في العديد منها، في مناسبات وطنية شتى، كان آخرها عبر الفيلم التلفزيوني الذي أعددته: ميسلون…العين والمخرز
لقد قدم العطري لبلاده خدمات جلى، وإذا كان تقدير الرجال، كما يقول الأديب الكبير مدحة عكاش، يقاس بما يقدمونه لبلادهم من خدمات وما ينجزون من أعمال فقد عمل العطري، في سبيل رفعة الأدب وخدمة اللغة ما يجعله في مقدمة الأوائل من رواد الحركة الفكرية في هذا البلد…
رحل العطري ولكن أريج عطره يفوح من ثنايا كتبه ومقالاته ومحاضراته وحواراته…
رحل العطري ولكن وفاءه ظل، وسيظل، ناقوساً يقرع في آذاننا وفي جوانحنا، فقد أحيا سير الكبار الذين وضعوا بصماتهم واضحة في سجل التاريخ…
رحل العطري جسداً وبقي روحاً متوثبة وأخلاقاً دمثة وخصالاً وسجايا حميدة تشف عن نفس حلوة ومشاعر صادقة…
رحل العطري ولكنه موجود بيننا نقرأه في عيون أبناءه، الذين أحسن تربيتهم، ومحبيه الذين تذوقوا كلماته المنتقاة وعباراته المختارة…
قصة مجلة الدنيا
مستفيداً من نصيبه في بعض إرث والده، قرر العطري إنشاء مجلة خاصة به لا مستأجرة، فاشترى من المرحوم محمد الدالاتي جريدة (الوطن)، التي كانت تصدر بشكل متقطع وهزيل، بمبلغ ليرة ذهبية إنكليزية، وسماها (الدنيا) لينسجم مع لونها الجديد: أسبوعية، مصورة، جامعة.
صدرت في العاشر من آذار عام 1954م، والحرب ما تزال مشتعلة، وأسعار الورق ملتهبة، وتكاليف الطباعة مذهلة صدر العدد الأول من (الدنيا).
وكان صدورها فتحاً جيداً في الصحافة السورية، فقد استطاع العطري أن يدخل عليها الطباعة الملونة، والمادة الطريفة، والإخراج الجيد.
وكانت تكاليف النسخة الواحدة منها أضعاف مردودها، فوقعت المجلة في عجز مالي، وأخذت تتعثر في مواعيد الصدور لسنوات ثلاث تقريباً، ولما حاولت أن تقيل عثراتها في العام 1951م، أوشك حسني الزعيم أن يلغي امتيازها في إطار إلغاء امتيازات معظم الجرائد والمجلات السورية، لولا تدخل أحد مستشاريه علي بوظو، صديق العطري، والحيلولة دون ذلك.
وهكذا نجت الدنيا من كارثة الإلغاء وأصبحت في تلك المرحلة -كما يقول العطري- المجلة الوحيدة في سورية، بالإضافة إلى (المضحك المبكي).
بعد إدخال أبواب جديدة، واستكتاب أقلام متمرسة، ازدادت المبيعات وتضاعف الانتشار، وصارت (الدنيا) المجلة التي تدخل كل بيت، وتصل إلى كل مدينة وقرية سورية، وكانت توزع في العراق والأردن ولبنان وبعض البلاد الأوروبية…وباتت لها -أيضاً- مطابع خاصة مقابل مكاتبها، استطاع العطري أن يشتريها بالتقسيط.
ولا ريب أن النجاح المذهل الذي حققته (الدنيا) دفع ثمنه العطري من جهده وشبابه، يقول: …كنت ليلة صدور العدد الجديد أقضي الليل كله متنقلاً بين مكاتب المجلة ومطابعها، أراقب سير العمل ساعة بعد أخرى، خشية أن يستغل بعض العمال فرصة غيابي، فيتقاعس في العمل، ويكون سبباً في تأخر صدور العدد ساعة أو ساعتين! وقد تعلمت -يضيف- أن المجلة الأسبوعية لا حق لها في الغياب أو العطلة، مهما كانت الأسباب والظروف…
كما أصدرت المجلة أعداداً خاصة وممتازة عن:
الحظ، الفن والجمال، الربيع والصيف، الشتاء، الحب، العيد، رفّه عن نفسك، الشباب، فلسطين، الصحافة، وغير ذلك من الموضوعات التي تهم القارئ وتثير اهتمامه.
كما أصدرت في العام 1970م سلسلة كتب تحمل عنوان كتاب الشهر، الذي كان يتناول بالترجمة والتلخيص أحد أحدث وأطرف الكتب التي تصدر في العالم…
وظلت (الدنيا) تزداد تألقاً وانتشاراً حتى قيام الوحدة السورية – المصرية، عندما تم تصفية الصحف والمجلات السورية، ثم عاودت صدورها لحين 8 آذار 1963م.
وقد استقطبت (الدنيا) و(الدنيا الجديدة) أقلاماً في الشعر والدراسة الأدبية والنقد والحوارات والخواطر، نذكر من بينهم: زكي المبارك، عدنان الخطيب، بديع حقي، مراد السباعي، أحمد عويدات، غسان العائدي، عباس الحامض، سلمى الحفار، عبد الحكيم الدعاس، عبد المحسن القصاب، أنور الجندي، يوسف أحمد محمود، فوزي لحام، عبد الغفور خريط، محمود عيسى، يحيى الشهابي، عبده مسوح، سعيد جزائري، ممتاز الركابي، علي الفراتي، أحمد الجندي، عايدة محرم، نسيب الاختيار، عبد الرحمن أبو قوس، أحمد علي حسن، صبري القباني، أمين الخالد، شوقي بغدادي، يعقوب سليم سيده، كمال فوزي (الشرابي)، توفيق الحكيم، عبد السلام العجيلي، سعد صائب، غانم النقاش، محمد حاج حسين، عادل البكري، عبدالله الشبلي، علي كنعان، محمد التونجي، أحمد نزار صالح، سهام الكيالي، أحمد الصافي النجفي، إبراهيم مرجانة، مصطفى هلال، محمود كلزي، محمد فاروق شريفة، نشأت التغلبي، محمد صبحي أبو غنيمة، حسن الحكيم، أمين نخلة، نصوح بابيل، غادة السمان، زكي المحاسني، وداد سكاكيني، محمد روحي فيصل، عادل قزيها، كوليت الخوري، نزار مؤيد العظم، عبد اللطيف يونس، ياسين رفاعية، إسكندر لوقا، نجاة قصاب حسن، نزار قباني، محمد الفرحاني، وجيه بيضون، قمر كيلاني، كمال أبو ديب، وليد مدفعي، زهير مارديني، عبد الحميد العلي، إلياس خريستو، محمد حاج حسين، سليم نظام الدين، صابر فلحوط، ولوقا جميل لوقا، غازي الخالدي، فريال بعيرة، ليلى اليافي، عبد القادر عياش، خالد قطمة، نبيه الشعار، عدنان طه، وسهيل زنــوت، الشاعر الفلسطيني الذي التقى العطري في أحد مقاهي دمشق، فوجده منهمكأ “ببرتية طاولة” فقال:
أخي يا صاحب “الدنيا”
بربك من يجــــــافيها؟
أطـــــــاولة أعز عليــــــــــ
ك من “الدنيا” ومافيهـا
أم النــرد الذي تهــــوا
ه أبهى من مجــاليهـــا
لقد كذبت الألى قالـــوا
“محاســنها مسـاويهـا”
فما الدنيا سوى أفعــى
تعـادي من يعاديهــــــا
إذن هيــــــــا بنـا هيـــــــــا
إلـــى الدنيـــا نوافيـهـــا
فان تغــــدر بنـا نقلـــــب
اســـــافلها اعاليهــــــــا
وان بــــرت بنــا نحمــد
على ســــعه اياديهـــا
ولكــن اننــي اخـشــى
علينـا من ما اهاليهــــا
فما ساروا على ســنن
سـواء فــي نواحيهـــــا
وبعد ثلاث سنوات ونصف من توقيفها، عاده (الدنيا) إلى الدنيا كما يقول العطري:
بعد 182 اسبوعاً من التوقيف القصري والاضطهاد المشين… عادت لتفقأ حصرماً في عيون من أرادوا لها الموت ولرسالتها الفناء. كان الحق أقوى من باطلهم، فزالت عروشها الكرتونيه، وعادت (الدنيا) رافعة الرأس، نقيهة الجبين موفورة الكرامة.
وقد ابتهج كثيرون بعودتها، ومنهم غازي الجندلي، عندما قال:
العود أحمد-، مرحبا…من مبهجتـي
أهلاً بأغـــلى أمنيـات أحبتـي
أهــلا (بــدنيا) لا حـــدود تحـــــدها
أهلا بعشاق الجمال، بإخوتي
أهــلا بمدرســتي التـي احببتهــا…
في فجر عمري، في ربيع قصيدتي
الحرف يشرق صادقــاً…مترفعـــاً
والحرف يشمخ بالوفا، والعــزة
(أستاذتي) للفكر عندك حرمة
فتقبلي مني جميل تحيتيي
(دنياي) أهلاً…من محب صادق
حفظ المودة، فـاهنئي بمودتي
وغدا سيمرح في رحابك شاعر
شــق… برغــــم أنـــف أعنــــــــت
مواضيع ذات صلة:
مجلة (الدنيا) وصحافة أيام زمان ، وعودتها للصدور د. نزار العاني
نزار قباني لمجلة الدنيا قبل 70 عاما : حبي الأول جعلني شاعراً هلال عون
عبد الغني العطري شاهد على قرن من الأدب والصحافة مجلة الخليج الاماراتية