شؤون قانونية
أخر الأخبار

عن المحامي نوح الرّيس وأشياء أخرى

عن المحامي نوح الرّيس وأشياء أخرى

عن المحامي نوح الرّيس وأشياء أخرى

لقيَتْ شخصية المحامي نوح الريس التي قدمها النجم عابد فهد؛ استهجاناً واسعاً لدى عرض المسلسل الرمضاني ” 350

المحامي بسام العطري

غرام ” في الأوساط القانونية وأوساط المحامين خصوصاً، وذلك باعتبار الشخصية المذكورة مثّلت الوجه السيء والشرير للمحامي في مجتمعاتنا. ووصل الأمر ببعض الزملاء المحامين حد التهديد بالقيام برفع الدعاوى القضائية على الشركة المنتجة والمخرج والممثل، بسبب الإساءة التي وجدوها في العمل لشخص المحامي ومهنة المحاماة.

كنتُ أتأمل بهؤلاء الزملاء بعضاً من الموضوعية والتأني و التفكير في الموضوع من مختلف الوجوه، ورغم تعصبي الشديد لمهنة المحاماة التي قضيتُ فيها حتى الآن أكثر من نصف عمري، إلا أنني لا أشاطرهم الرأي المتسرع فيما ذهبوا إليه، وذلك لعدة أسباب منها:
1- أننا أولاً وأخيراً أمام عمل درامي محض، يعني بالعامية وببساطة: مجرد حدوتة مسلية لا تقدم ولا تؤخر في الأمر شيئاً.
2- إن العمل المذكور قدّم شخصية منحرفة عن أخلاق ومبادئ وأصول مهنة المحاماة، وهي شخصية استثناء، ولم يجعلها القاعدة والأساس، والمعلوم أن الاستثناء لا يُبنى عليه ولا يُقاس.
3- عرض العمل أيضاً لشخصيات سلبية أخرى مثل شخصية الطبيب المنحرف، ورجل الأعمال الذي في حقيقته رجل عصابة متخفٍ، وكل تلك الشخصيات في حقيقتها شخصيات استثنائية لا تصلح أن تكون قاعدة نُعممها على الجميع.

إضافة إلى ذلك.. لم نلحظ أي تحرك أو شجب من نقابات الأطباء أو جمعيات رجال الأعمال وغرف التجارة، لأننا كما أسلفنا أمام حدوتة مجردة لا أكثر. كثيرة هي الأعمال الدرامية والسينمائية والروائية التي قدّمت شخصيات أصحاب مهن ومناصب انحرفوا عن أخلاقيات مهنهم ومناصبهم ، منهم وزراء ومديرين وأطباء ومهندسين ومحامين وووو إلخ.

هذا كله خدمة لحبكة يقدمها العمل، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح. فعلى امتداد عشرات السنين نجد أن هناك أعمالاً سينمائية ودرامية كان أبطالها محامين قدّموا نموذجاً أسوأ بكثير مما قدّمته شخصية نوح الريس في العمل المشار إليه سواءٌ عربياً أو حتى عالمياً. فعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر فيلم “محامي الشيطان” للممثل العالمي “آل باتشينو”، حيث تدور أحداث الفيلم المقتبس عن رواية للمؤلف “آندرو نيدرمان” حول شاب يعمل في مجال المحاماة يتلقى عرضاً للعمل في أشهر مكاتب المحاماة في نيو يورك، لتحدث له نقلة على المستوى المهني وعلى مستوى حياته الشخصية ويصبح ثرياً ومشهوراً، ليتفاجأ بأن الشيطان هو صاحب المؤسسة وهو من يحركه، فيبدأ المحامي في إهمال زوجته التي يعشقها وينجرف في عالم الجاه والنساء، لتأتي المفاجأة الكبرى عندما تخبره أمه بأنه هو نفسه ابن الشيطان، وأن عليه أن ينجب شيطان الألفية الثالثة!!! أما فيلم  “فيلادلفيا” الحائز على جائزة الأوسكار والذي قدمه الممثل العالمي “توم هانكس” فتدور أحداثه حول محامٍ مثليّ الجنس يصاب بالإيدز ويُطرد من عمله بسبب حالته المرضية خوفاً من أن ينقل العدوى إلى زملائه في العمل. كما نذكر فيلماً عالمياً آخر بعنوان “العدالة للجميع” هذه المرة تدور أحداث الفيلم عن قاضٍ يتهم بالاغتصاب، ويضطر المحامي –وهو الممثل “آل باتشينو”– للدفاع عن ذلك القاضي الفاسد.

أما في السينما العربية فإننا لا ننسى فيلم “ضد الحكومة” للممثل الراحل أحمد زكي الذي قدّم نموذجاً لمحامٍ ينساق وراء فساد المجتمع، ليستيقظ ضميره فجأة أمام جريمة كادت تودي بحياة ابنه. وطالما تحدثنا عن السينما العربية فإننا لا نستطيع تجاهل الشخصية التي قدمها الفنان عادل إمام  في فيلمه الشهير “طيور الظلام” تلك الشخصية التي تتلاعب بثغرات القانون وتناقضاته خدمة لمصالحه ومصالح موكليه، حيث يتضح من سياق الفيلم الدور الذي تقوم به الشخصية وأمثالها في ترسيخ مبادئ الفساد الإداري والسياسي في المجتمع. كما لا ننسى الشخصية الإشكالية التي قدّمها أيضاً الفنان عادل إمام في فيلمه “الأفوكاتو” كشخصية تلجأ للفساد وتبيع كل شيء مقابل أموال تتلقاها من متنفذين سابقين ومراكز قوى في الدولة.

بالنتيجة نجد أن ما تم تقديمه من خلال شخصية المحامي نوح الريس ليس بدعاً استثنائياً ولا حدثاً مفاجئاً يستحق تلك الضجة التي افتعلها البعض رغبة منهم بأن يصيبهم بعض رذاذ الشهرة الذي يتطاير عند تداول تلك القضايا وبما يرافقها من ضجيج إعلامي يصب أخيراً في صالح العمل والقائمين عليه كأفضل دعاية مجانية له..

بسام العطري – محام ومستشار قانوني- سوريا

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى