
في الواقع السوري الراهن
واجهت سورية منذ اندلاع الثورة في العام ٢٠١١ ولغاية سقوط النظام البائد ضغوطاً كبيرة غير مسبوقة جراء العزلة الدولية وحزمة العقوبات الامريكية والأوروبية التي كللت في العام ٢٠١٩ بقانون قيصر الذي احكم الحصار على البلاد والعباد فأسهم في تعطيل الدورة الإقتصادية المنهكة أصلاً…
من نافل القول أن النظام المتداعي أساء التعاطي مع ملف العقوبات “كما في باقي الملفات” وبدلاً من محاولة تجنبها قام بكل ما من شأنه استدعائها “لأنه وبخبثه المعهود استخدمها مبرراً لفرض المزيد من الأتاوات والضغوط على المواطن” ، و راح يدجج خطابه الخشبي والايديولوجي بشعارات الاستعلاء والعنجهية .. واتخاذ أغبى الخيارات للضغط على الشارع السوري المنهك اساساً من حرب عبثية أُجبره على دخولها ..
فازدادت الأتاوات والجباية وانتشرت الجرائم وتحولت السرقات والخطف لأخبار يومية وفُقد الدواء والعلاج، وأصبحت السلبطة العلنية والبلطجة والزعرنة أمور طبيعية يخضع لها رجال المال والأعمال والتجار وحتى المواطن العادي.
كان لسلبطة الحواجز المقرفة والمنتشرة في كامل التراب السوري دوراً حاسماً بزيادة الغلاء، إذ كانت تلك الحواجز تفرض على أي سيارة تحمل بضائع، دفع أتاوة نقدية، أما إن كانت تحمل بضائع يمكن لمثل هؤلاء الاستفادة منها أو طعاماً فيجب عليها تقديم المال وبعض البضائع التي تروق لهم أو من الطعام إن كانت الحمولة طعاماً بما يكفي لاطعام عناصر الحاجز وأسرهم، فكان القيصر الحقيقي ينبع من داخل البلاد وليس من خارجها..
كان “اللانظام” البائد يمعن بخرق الدستور والقانون ولعل أحد أغرب تجاوزاته فرض تصريف 100دولار بأقل من سعرها الطبيعي بحوالي 35%” على كل سوري يدخل البلاد بينما يُعفى من ذلك غير السوري!!
فأنت مضطر لتصريف مئة دولار إن غادرت إلى شتورة لشراء دواء أو إلى لبنان للعلاج أو لاستقبال صديق لكن الغصة إن كان صديقك ليس سورياً أن تضطر أنت المواطن السوري لتصريف 100دولار ويعفى منها صديقك غير السوري!!!!
أما إن قمت ببيع عقار فستكون مضطراً لايداع نصف ثمنه في البنوك وسحب الثمن على دفعات هزيلة قد تستغرق أشهر وعشرات الزيارات، وكان لهذا القرار الخبيث أبلغ الأثر بتعطيل عمليات بيع وشراء العقارات.
ولعل أسوأ ما وصل له الحال أن راتب الجندي أصبح لا يتجاوز 17دولار ، ويقتصر طعامه على بيضة ورغب وقد يعطى حبة بطاطا!!!
بينما راتب عميد كلية يحمل شهادة دكتوراه لا يتجاوز 100دولار..
أحد الخبراء يحمل درجة دكتوراه بالاتصالات وهو بمرتبة استاذ باحث يتقاضى مايعادل 130 دولار شهرياً عُرض عليه العمل في دولة أوربية براتب لا يقل عن عشرة آلاف يورو!!!.
كل هذا جعل من انفجار الشارع أمراً حتمياً، فبينما كان الثوار يعدون العدة في ادلب لتخليص الشعب بكل أطيافه من الطغاة كان كان رأس النظام يمعن بممارسة غباءه وعنجيته فيما كانت السويداء ودرعا بحالة غليان، والواقع أن سوريا بكل أطيافها كانت تغلي بانتظار الفرج…
لسنا نجافي الحقيقة لو اكدنا ان ليلة سقوط النظام كانت بداية الفرج الذي نرجو أن يكون بداية لغد أجمل وأفضل ولحرية اشتقنا لها ونرجو أن نهديها لأبنائنا.
رغم الصعاب وبعض التباينات هنا وهناك إلا أن مايلوح في الأفق أراه واعداً …
فالاحتضان العربي ملموس في تقاطر الوفود العربية إلى دمشق مؤيدة ومتفاعلة مع الحدث شاركت الشعب السوري بخلاصه وخلاصها من أنهار الكبتاغون والمخدارات التي كان يتفنن “اللانظام” الشائن بشحنه إليها يومياً.
وليس بخافياً على أحد الموقف الأوربي الايجابي الذي انتقل للايجابية وتحول لتأييد حذر توجته دول الإتحاد الأوروبي برفع العقوبات لمدة سنة.
أما الموقف الأمريكي فقد بدأ يشعر ببعض الاطمئنان المشروط بمعايير ليست بعيدة عن النهج والقرارات التي يعلن عنها يومياً، وقد قدمت إدارة الرئيس ترامب تعليقاً للعقوبات لمدة ستة أشهر كمبادرة لاختبار النوايا.
ناهيكم عن الرضا الإقليمي المحيط مما يزيد من فرص بلوغ الأهداف وأخذ البلاد إلى بر الأمان وشاطئ السلام ..
ان رفع العقوبات عن سوريا أو تجميدها خطوة تاريخية لايمكن التقليل من اهميتها وهي لاشك تفتح لنا نوافذ الحياة والأمل وتسهم في تحريك عجلة التنمية والإقتصاد وبالتالي التخفيف من حدة معاناة شعبنا السوري الصابر حقاً ولست اغالي إذا اكدت أن صبرنا في سوريا الغالية فاق صبر أيوب وسبقه بمراتب عليا ..
لكن الصبر هو الشجرة المباركة الكبيرة التي وإن كانت جذورها مرة لكن ثمارها حلوة ….
د . سامر عبدالغني العطري
مستشار سابق لدى رئاسة مجلس الوزراء ..