
متى نفصل بين الكاتب وكتاباته ..؟

مازلنا نفتقر ، من أسف ، الى قراء يملكون قدرة الفصل بين الكاتب وكتاباته وطروحاته المختلفة ..
ففي مجتمعاتنا العربية بوجه عام يعامل اي كاتب وشاعر وفنان وفق طبيعة انتاجه.. واعتبار مايكتبه هوية ذاتية تعبر عن ماهيته المزاجية والنفسية والثقافية والعاطفية ..
ففي حالات كثيرة يحاسب الكاتب على مفرداته بعد التقاطها ووضعها تحت مجهرهم العمومي الذي لايتحلى بامكانية التمييز والتحليل والقدرة على الفرز والتصنيف والرصد على الوجه الصحيح ..
فإن كتبتَ في الحب فهذا يعني _ وفق قراءة الكثيرين _ انك غارق في الحب براً وبحراً وجواً حتى أذنيك .. فتنهال على بريدك الخاص رسائل التهنئة مقرونة بعبارات المجاملة والمغازلة ( نيالها اللي بتحبها .. ليتني احظى بحبيب مثلك ..)
اما إذا كتبتَ في المرأة حتى من باب العمل على قضيتها وكان حظك قوياً في كثرة السيدات والحسناوات القارئات والمتابعات . فهذا يعني انك من وجهة نظر الكثيرين زير نساء , وقد يصير لقبك ( كازا نوفا ) وخود ياطويل العمر تسميع وتلطيش على الخاص وعلى العام .. رشاً ودراكاً ..
واذا كتبت حكمة في الصبر والمثابرة اعتبرك المتلقي انك من القوم الصابرين فتأتيك رسائل التشجيع والمواساة .. اما اذا كتبت عن الجحود ونكران الجميل تفاعل معك جمهورك بتلقائية عبر رسائل ( الفزعة ) التي لاتخلو من الطرافة والظرافة وعبارات المؤازرة من طراز : ( ياباطل .. مين اللي مزعل الحلو ..)
ولعلي لا أغالي إذا اكدت اني اعيش احياناً اوقاتاً ممتعة بين نصوصي المنشورة وماتلقاه من ردود الفعل التي تكاد تشبه طقوس الحكواتي ورواياته المحكية وانقسام جمهوره بين مؤيد لهذا الطرف او متعاطف مع ذاك الطرف ..
وكأني بالبعض مازال يتلقى المنتج الفكري بالعقلية الطيبة والبسيطة ذاتها ..
أعلم ان جميع من يمارسون العمل الكتابي بصنوفه ومستوياته كافة _ وانا منهم كهاو _ يسقطون بعضاً من ذاتياتهم نرى ظلالها بشكل او بآخر متوارية بين السطور والحروف تطل بعبارة من هنا وكلمة من هناك .. على انه ليس من الحتمي والضروري والنهائي ان تعبر عن احوالهم وتعكس أمزجتهم ومايمرون به من أحوال وأفعال .. فكثيرا مايكون أعذب الشعر واجمله أكذبه .. وكثيراً ما نلتقط أبلغ الحكم من أفواه المجانين .. وكثيراً ماتبهرنا مظاهر هذا الفنان أو ذاك ونعتبره اسعد السعداء فإذا به يصدمنا بخبر رحيله منتحراً بعد اصابته بالإكتئاب .. وفي دراستي لأحوال وظروف عدد من فناني الكوميديا .. صدمت حقاً بحالة مرعبة من التعاسة تحيط ببعضهم , فأحدهم ممن أضحكوا الدنيا وانتزعوا ضحكاتنا حتى الثمالة كان حزيناً حد البكاء رغم كل المجد الذي أحاط به .. ولسنا ننسى الكاتب الشهير ديل كارينجي الذي اتحفنا بكتابه البديع ” دع القلق وابدأ الحياة ” قد مات منتحراً .. فيما نلحظ احدى الكاتبات العربيات الشهيرات ممن عممت دون هوادة شيطنة الرجال في معظم كتاباتها وحذرت منهم كانت الأكثر اقبالاً عليهم وشوقاً في حياتها الخاصة ولهفة فتزوجت ستة رجال …
في ضوء كل ماسبق علينا التروي في قراءة مانقرأ .. فنصوصنا وكلماتنا وان كانت فيها بعضاً من بصماتنا ، ومذاق أرواحنا ونبض قلوبنا ، لكنها قد تكون ممزوجة بمعاناة الآخرين , ودموع المعذبين , او قد تكون رغبوية وتحليقاً وتخيلا كهروب من واقع لانرضاه.
د. سامر العطري