
يمينٌ حاسمة

لعله من أهم أسباب عشقي لمهنة المحاماة هو ما قدمته لي –وما تزال تقدمه– من كم هائل من التجارب الحياتية والاجتماعية والقانونية، كمٌ لا تستطيع حياة عادية أن تعيشه بمثل هذا الخصب والتنوع والتفاوت في كل شيء، هذا الكم جعلني على مدى ما يقارب الثلاثين سنة أملأ جعبة لا يستهان بها، شكّلت بالنسبة لي أسلحة وذخائر مكّنتني من خوض غمار مصاعب هذه الحياة ومآزقها كافة.
وقدمت لي هذه المهنة -من جملة ما قدّمت– إمكانية الاطلاع على نماذج كثيرة من البشر، وسلوكياتهم، وأخلاقياتهم، وأفعالهم وردود أفعالهم.
قبل حوالي ثلاثين عاماً كنتُ محامياً متمرناً في مكتب أستاذي –رحمه الله– نقيب المحامين الأسبق رياض العابد الذي كان وكيلاً في دعوى مستعصية بين شقيقين اثنين، وكان موضوع الدعوى يتمحور حول خلاف إرثي على شقة فخمة كان يمتلكها والد الشقيقين، واختلفا حول ملكية هذه الشقة، ولمن يجب أن تعود، إذ كان يزعم الشقيق الآخر أنه اشتراها من والده ودفع له ثمنها، في حين كان شقيقه –موكل أستاذي– يؤكد أن والده لم يبع تلك الشقة، ولم يكن أصلاً بحاجة لبيعها،
ولو أنه فعلاً باعها لكان هو أول من علم بذلك البيع.
دارت رحى جلسات المحاكمة، وطالت واستطالت بين تأجيل وتأجيل وإمهال واستمهال، وقرارات إعدادية، وخبرة على العقد وإعادة للخبرة، وطعن بالخبرة…
إلى أن كان يوم من الأيام قصد الموكل مكتب أستاذي متبرماً من طول أمد التقاضي بشكل غير معقول، ولما أخبره أستاذي بأن هذا أمر طبيعي في دعوى مثل دعواه تحفل بالتعقيدات والتفاصيل والمطبات والثغرات القانونية التي لا بد من إغلاقها حتى نتمكن من إيصاله إلى حقه.
هنا ضاق الرجل ذرعاً، والتفت إلى أستاذي موجهاً الكلام له:
ألا نستطيع تحليفه اليمين القانونية يا أستاذ؟
أطرق أستاذي قليلاً وأجابه: بلى نستطيع، لكنها طريق محفوفة بالمخاطر! ماذا لو حلف شقيقك اليمين؟!
فأجابه:
يا أستاذ شقيقي محال أن يحلف يمين كاذبة، صحيح نحن على خلاف مستحكم، ولكن المرحوم والدنا ربانا تربية صالحة، ورغم أن شقيقي قد أخطأ إلا أنه لن يتجاسر على أن يضع يده كاذباً على كتاب الله عز وجل.
التفت إليّ أستاذي قائلاً:
أتمنى منك يا أستاذ بسام أن تشرح له تفاصيل الأمر ومحاذيره ومخاطره..
فنظرت إلى الرجل الذي كان يبدو قد حسم أمره واتخذ قراره، إلا أنه من واجبنا توضيح الأمر بشكل جلي له قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة، وقلت له:
أخي الكريم اليمين التي تطلب منا تحليفها لشقيقك تسمى في قانون البينات “اليمين الحاسمة”، وسميت كذلك لأنها تحسم النزاع القائم بشكل نهائي، وبعد توجيهها وقيام الخصم بحلفها لا يحق لنا التمسك بأي دليل آخر أو قرينة أخرى، لأن توجيه اليمين الحاسمة هو تنازل عمّا عداها من قرائن وأدلة.
بذلك تكون قد حُسمت الدعوى.
أطرق الرجل قليلاً، ثم قال:
أخي.. على بركة الله… وجهوا اليمن له وخلِنا ننتهي من هذه الدعوى.
بالفعل تقدمنا للمحكمة التي تنظر الدعوى بمذكرة خطية طلبنا فيها توجيه اليمين الحاسمة لشقيق موكلنا، وفي الجلسة المقررة لحلف اليمين كانت المفاجأة!
اقترب الرجل من منصة المحكمة حيث وُضع القرآن الكريم وفتحه ودسّ يده اليمنى داخله بين صفحاته.
استغربت السيدة القاضي ذلك التصرف منه، ولما سألته عن سبب فتحه للكتاب الكريم وقيامه بهذا الفعل، أجابها جواباً لا أنساه ما حييت:
أستاذة أنا لن أضع يدي على كتاب الله، بل سأضعها داخله وأحلف.
وبالفعل حصل ما كان يخشاه أستاذي، وحلف الرجل اليمين كذباً وزوراً، واستولى على ملكية الشقة موضوع الدعوى دون وجه حق في ذلك.
أما أنا فقد صُعقت تماماً مما حصل، إذ لم أكن أتصور يوماً أو أتخيل أن هناك من يحلف بالله العظيم وعلى كتابه كذباً وزوراً. وحين عدتُ إلى المكتب -ولحسن الحظ- لم أجد هناك أحداً، أغلقتُ الباب جيداً واجتاحتني موجة من بكاء شديد، لم أكن أصدق ما حدث! ولم أكن أريد تصديق ذلك.
أحسستُ يومها أننا نحيا ونعيش في كوكب آخر، وهناك أناس آخرون يشبهوننا في الشكل والمأكل والملبس، لكنهم يختلفون عنا في كل شيء عدا ذلك .. كان وقتها درساً قاسياً، لكنني تعلمتُ منه الكثير.
بسام العطري
محام ومستشار قانوني – سوريا