نزار قباني شاعر النهد ينتقد " طفولة نهد "
نزار قباني شاعر النهد ينتقد " طفولة نهد "
نزار قباني شاعر النهد ينتقد ” طفولة نهد ”
خاص الدنيا
ما اصعب ان يكتب نزار القباني عن نزار القباني …
فأنا حين اخرجت للناس “طفولة نهد” . . . توقعت
كل ما يمكن للفكر ان يتوقعه ، من قدح ومدح ، و ادبار و اقبال ، ونفور وتصفيق .. ولكنني لم اتوقع ان يبتدرني سائل بقوله: ما رأيك بنزار القباني .. وهل لك ان تنقد “طفولة نهد “..
ولكن الحبيب عبد الغني العطري، بلذ له ان يعقد الأمور، ويجد متعة ماتعة في صناعة المشاكل . .. واخراجها .. فلم اكد أدخل حجرته ذات صباح زائراً حتى تركني غريقاً في دم حيرتي .. واكد لي ان الموضوع طريف! ..
ان “طفولة نهد: .. هو قلبي مرسوم على الورق .. ودمي افرغته على الحروف … فكيف اتولى نقده .. دون ان تتدخل عاطفتي في نقده ، والنقد ليس عاطفة ، ثم .. كيف تطاوعني يدي .. فأخرج قلبي من موضعه … لاضعه على راحتي ، واعمل فيه مشرط النقد.
ماذا كتب عنك يانزار. فإن حكايتك حكاية، و ان نفسك كقطرة الزئبق المترجرجة لا تهدأ الا لتنتفض .. ولا تتحرك الا لتستقر …
عرفتك في طفولتك تخطف اجفانك .. الالوان الصائحة .. والخطوط النسيقة ويأخذك اللحن المهموس .. فتنام على دمدمته وانسحابه وتعجبك الدمية الانثى .. فتضفر شعرها الاشقر، وتلامس ساقها الكثيفة .. وتدغدغ ثوبها الشفيف باصابع مرطوبة مرعوشة … حتى اذا جن الليل شار كتها مخدتك وسريرك ، و انا وحدي الذي يستطيع ان يفسر سر تعلقك بالنهد هذا الابيض المسور بالياسمين الدافق بالفضة فان مدة رضاعك لم تكن عامين كما جرى العرف بل تعدتها إلى الخمسة .. وهذا هو سر تلك التسمية التي جعلها على غلاف ديوانك فهي صدى تلك الفترة المتمادية من عهد الرضاع، ولقد عرفتك يا نزار .. في شبابك، تستثيرك نغضة العطر .. ونهضة القميص وشرود الخصلة .. وتناوب الجورب …
ويقال عن ساقيك .. انهما
في العري مزرعتان للفل …
ويقال : اشرطة الحرير هما
ويقال : انبوبان من طل
ويقال : شلالان من ذهب
في جورب كالصبح مبتل
هرب الرداء .. وراء ركبتها
فنعمت في ماء… وفي ظل …
وشردت فوق الياسمين .. فمن
حقل ، عقيقي .. الى حقل …
وعرفتك حين عرفتك موزع الأهواء ، تبحث ابداً .. عن حب مجهول … وثغر مجهول … وعطر مجهول .. وهذا الشعور المبهم .. نحو سيدة لم تشرد على دربك بعد .. هو الذي دفعك الى ان تهدي ديوانك الى تلك السمراء التي تنتظر … على ضفة المجهول:
ان رف يوماً كتابي حديقة .. في يديك
وقال صحبك : شعر يقال في عينيك
لاتخبري الورد عني اني اخاف عليك
ولا تبوحي بسري ومن اكون لديك .
ولتقر أيه بعمق ولتسبلي جفنيك
ولتجعليه بركن مجاور نهديك
هذي وريقات حب نمت على شفتيك
عاشت بصدري سنينا لكي تعود اليك …
اما طفولة نهد .. فهو زوابع .. ودفء . … وشرايين .. واحداق سود و خضر.. و اهداب ممدودة كاليل .. ونساء من شتى الشعوب ومن شتى الاخلاق ، اثرن اعصابي ، فكتبت ما كتبت ، تحت تأثير عطر غريب .. او شعر موزع كدروب الليل ، او ساق تنفتل كقضيب الزنبق ..
قبل : ساق تمر .. وارتجف الفل
حبالا .. على طريق خضيب
يا صليب الاغواء .. من خصلتي
زهر .. شفاهي لمسح هذا الصليب …
اذهلي .. غيري مكانك .. اخفي
ترف الساق انت اصل شحوبي
ادخليها لو كرها .. كل عرق
من عروقي يصيح : ابن نصيبي
او وعد يحترق على عقيق الفم :
في ثغرها .. ابتهال يهمس لي تعال
نشرد تياري شذا لم يخفقا يبال
لا نستحي .. فالورد في طريقنا .. تلال
مادمت لي ، مالي وما قبل وما يقال
او و حلمة ، تختلج كمنقار الشحرور الاحمر :
تهزهزي .. وثوري
يا خصلة الحرير
يا حرف نار سابحاً
في بركتي عطور
يا كلمة مهموسة
مكتوبة بنور
سمراء .. بل حمراء . . بل
لونها شعوري
دافئة .. كانها مرت على شعوري
انا راض عن هذه الحلمة الدافئة .
التي مرت على ضميري واحترقت …
وارتسمت على نهدها المجتمع حرفا من نور ..
ثم اني راض عن هذه الشفة
الممتلئة .. كحبة العنب ..
منضمة مزقزقة
مبلولة كالورقة
سبحانه من شقها
كما تشق الفستقة
وعاء ورد احمر
في حجرة مزوقة
وباقة من كوز
بأمها معلقة! …
وحين تأخذ حبيبتي المشط لتغمده في نهر أسود من شعرها ، الست ترضى ان تستحم معي تحت سلال من الطيب الدقيق :
ياشعرها على يدي شلال ضوء أسود
ألمه . . . سنابلا
سنابلا ، لم تحصد
وحررته . . في شريط
اصفر ، مزغرد . .
واسغرقت اصابعي
في ملعب ، حر ، ندي . .
وبعد فانا احب “طفولة نهد”
لانه يضمني في مطاوي اوراقه . . . انه مصبوغ بلوني . . مغزول بدفء .. شراييني . . وهو حبيب الي لانه يحمل طابعي . . وشخصيتي الفنية التي يسرني ان لا يشار كني فيها احد . . لقد كتبت شعري بريشة لم يلمسها اديب . . وسرت على درب مخضوضر . . انا شققته . . وزرعته .. وسقيته .. ورشقت عليه الورد …
ان دربي ، بسيط و ديموقراطي .. ولكنه جميل يسبح بالطيب . . و باللون وبالثغور كتلك الدروب التي يلعب عليها الاطفال في القرية.
على هذا الدرب الطفل ، كتبت لك هذا الشعر الطفل .. واخذتك معي الى منزلي على اجفان غيمة منتفة .. وشردنا معا على ضفائر البريق .. نقتلع النجوم، وتزرعها في صدور النساء حلما رعوشه متذبذبة ..
درب .. طرزته باهدابي ..
فرشت اهدابي فلن تتعبي
نزهتنا على دم المغرب
خذي ذراعي.. دربنا فضة
ووعدنا في مخدع الكوكب
لا تسأليني كيف احببتني
يدفعني اليك شوق نبي
والله ان سألتني نجمة
قلعتها من افقها .. فاطلبي
او تشتهي ريشة عصفورة
اقصها فداك ان ترغبي
وبعد فيا “طفولة نهد” ، اذا احتوتك مخادع الناس ، واخذتك انا ملهم فلنتقطر ندى ، ولتغرق الوسائد عبيرا .. ولتكن في اي مكان نزلت به كوعاء الورد ، ولقد قصدت ان تكون كذلك .. لان صداقة الشعر ، عندي، كصداقة الورد فيها نعومة .. وفيها عطر دقيق . يا ” طفولة نهد” اني احبك …
نزار قباني
مواضيع ذات صلة:
عبد الغني العطري يحاور نزار قباني الذي فتح قلبه للدنيا
نزار قباني لمجلة الدنيا قبل 70 عاما : حبي الأول جعلني شاعراً – هلال عون

شاعر النهد ينتقد طفولة نهد1







