الشاعر الذي انتزع اعجاب الرئيس الأمريكي
الشاعر الذي انتزع اعجاب الرئيس الأمريكي
الشاعر الذي انتزع اعجاب الرئيس الأمريكي
خاص الدنيا
في أروقة مانشستر الباردة أواخر العشرينيات، تعلق شابٌ عربي بفتاة إنجليزية، وبارك أهلها في حلب زواجهما.
لكنه عاد ليجدها قد فارقت الحياة.
من تلك الصدمة وُلدت قصيدة “خاتمة الحب” و ولد الشاعر عمر ابي ريشة، وتحول مسار حياته من الكيمياء إلى الأدب ومن طموح علمي إلى شاعر.
ظلت قصة مولده مثار جدل فبينما تثبت المصادر الرسمية السورية ولادته في “منبج” عام 1910، تؤكد روايات أخرى أنه وُلد في “عكا” الفلسطينية إبان نفي والده.
المرجح أنه وُلد في عكا ثم انتقل طفلاً إلى منبج، ليجمع بين جذرين في هوية واحدة.
الأم الفلسطينية ذات الأصول التونسية، والأب المنحدر من أصول بدوية من البقاع اللبناني، اجتمعا ليمنحا الشاعر جيناً وراثياً يحمل بذور الترحال والانتماء الواسع.
لم تكن حياة هذا الفتى البدوي الأصل، المنحدر من عشيرة “الموالي” والتي تعتز ببداوتها ومجدها المؤثل مفروشة بالورود، فقد نشأ في بيئة ثقافية ثرية حيث كانت والدته “خيرة الله اليشرطية” – وهي سيدة تنحدر من مشايخ الطريقة الشاذلية – بمثابة “مكتبة ثمينة على رجلين” كما وصفها، ومنها تشرب حب الشعر الصوفي.
بعد دراسته في بيروت سافر إلى مانشستر لدراسة الكيمياء وهناك تشرب الأدب الغربي وزاد تعلقه بهويته، قبل أن يفجع بوفاة حبيبته ويعود إلى حلب عام 1932.
خاض غمار النضال الوطني مبكراً ضد الانتداب الفرنسي، بل ويُروى أن السلطات الفرنسية حكمت عليه بالإعدام، لينجو بأعجوبة بتدخل من معارف أبيه.
هذه المواجهة المباشرة مع الموت صقلت روحه، وجعلته صوتاً جارحاً ومتمرداً لا يقبل الذل.
بعد عودته إلى حلب، تولى إدارة “دار الكتب الوطنية”، لتصبح منبراً ثقافياً يجمع المثقفين والثوار.
وفي هذه المرحلة، كتب مسرحياته الشعرية مثل “ذي قار” و”تاج محل”، مؤمناً أن الكلمة هي السلاح الأول في مواجهة الاستعمار.
في ذروة مسيرته الدبلوماسية التي جاب فيها عواصم العالم، بدءاً من البرازيل والأرجنتين وتشيلي، وصولاً إلى الهند والنمسا، سطع نجمه كسفير لسوريا لدى الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع الستينيات.
هناك، جمعه لقاء تاريخي بالرئيس الأمريكي جون كينيدي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض عام 1962 حين طلب منه كينيدي، المعروف بشغفه الثقافي، الحديث عن سوريا أجابه بذكاء يمزج الجرأة بالفكاهة:
“يا فخامة الرئيس، إن سوريا هي بلد جدّنا السوري يسوع المسيح، الذي هو ربّكم!”. أثارت العبارة إعجاب كينيدي الشديد، فتحول اللقاء إلى صداقة شخصية، فقد كان أبو ريشة يدرك أن الدبلوماسية حضارة وتاريخ.
في تلك اللقاءات، كان يتلو على مسامع الرئيس قصائد إنجليزية لشكسبير وكيتس حفظها عن ظهر قلب، كان كينيدي ينصت باندهاش لسفير عربي يتقن أدبهم، مما كسر الحواجز البروتوكولية وجعل العلاقة صداقة بين مثقفين.
في أحد تلك اللقاءات احتدم النقاش حول الشاعر الإنجليزي “روديارد كيبلنغ” ونزعته الاستعمارية، وعندما أعرب كينيدي عن إعجابه قائلاً:
“لو كنت أميركياً لعيّنتك مستشاراً عندي”، بادره الشاعر بردّته الشهيرة:
“يا سيادة الرئيس، لو كنت أميركياً لجلست مكانك الآن”.
لم تكن تلك مجرد كلمات عابرة، بل كانت إعلاناً عن هوية دبلوماسية جديدة، تضع المثقف العربي ندّاً للند أمام قوى العالم، مسلحاً بتاريخه ولغته فقط.
شعرياً، كان أبو ريشة ظاهرة فريدة جمعت بين متانة التراث وروح التجديد الرومانسي متأثراً بكبار الشعراء الإنجليز والفرنسيين مثل شكسبير وبودلير، لكنه عاد ليصوغ لغة عربية فصحى جزلة، فمنحته قصيدته الملحمية “النسر” لقبه الخالد، بينما تحولت قصيدة “أمتي” التي كتبها غبّ نكبة فلسطين عام 1948 إلى صرخة قومية مدوية، حركت مشاعر الملايين باستنجادها “نخوة المعتصم”.
لم يكن حظ المرأة في شعره بأقل من حظ الوطن، فقد تميز غزله بالرقي والعمق.
كما برع في الرثاء وكانت نفسه تذوب حسرة على أصدقائه إذا خطفهم الموت.
ترك إرثاً ضخماً يتجاوز الدواوين، إذ عُثر له على مخطوطات لملاحم تزيد عن اثني عشر ألف بيت تؤرخ للبطولات العربية.
عُرف بلقب “صاحب البيت الأخير” لقدرته الفذة على ختم قصائده بأبيات تُشبه ضربات السيف.
أقر عمالقة مثل نزار قباني وأدونيس بتأثرهم الكبير بأسلوبه في بداياتهم.
لكن الجسد الذي حمل كل هذا العبء الفكري والسياسي والوجداني، لم يسلم من وعثاء الزمن وقسوة الغربة، يُروى أن إصابته بأمراض القلب لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت النتيجة الحتمية لسنوات طويلة من السهر، والانفعال الدائم مع كل نكسة تُصيب الأمة العربية، فقد كان يعيش قضايا أمته كأنها قضاياه الشخصية، وكل جرح في فلسطين أو أي بقعة عربية كان ينزف في صدره قبل أن ينزف في أرض الواقع. أدى هذا التدهور الصحي المستمر إلى اضطراره لإجراء عملية جراحية دقيقة في القلب عام 1977، مما أجبره على التخفيف من وتيرة عمله والتقاعد.
كانت الغربة تفرض عليه ثمنها الباهظ، فبعد تقاعده أقام في بيروت، لكن الحرب الأهلية دفعته لمغادرتها إلى الرياض، مبتعداً عن ضجيج المناصب، وقريباً من تأملاته الوجودية والدينية العميقة التي تجلت بوضوح في دواوينه المتأخرة مثل “أمرك يا رب” و”غنيت في مأتمي”، حيث طغى الحزن الصوفي والتسليم بالقدر على لهجته الثورية السابقة.
كانت سنوات المرض بمثابة خلوة روحية قسرية، ابتعد فيها عن صراعات السياسيين، ليجد سلواه في المناجاة والكتابة التأملية، تاركاً وراءه إرثاً من الحكمة يوازي إرثه النضالي.
وفي صيف عام 1990، وتحديداً في الرابع عشر من تموز، أسدل الستار على حياته الحافلة، إذ فارق الحياة في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية إثر إصابته بسكتة دماغية مفاجئة ألمّت به.
بناءً على وصيته، نُقل جثمانه بطائرة خاصة إلى مدينة حلب، ليُوارى الثرى فيها، وتُقام له مآتم التأبين الحاشدة.
إن عمر أبو ريشة ليس مجرد اسم يُتلى في دواوين الشعر العربي، أو سفيراً تنقل بين السفارات، بل هو تجسيد حي للسيرة العربية الجامعة التي تختزل خريطة الوطن الكبير في قلب رجل واحد.
هو الابن الذي جمع بين عكا ومنبج وحلب وبيروت ومانشستر والرياض.
مهما تعددت العواصم التي احتضنته سفيراً ومثقفاً، فإن مكانه الحقيقي والأوحد يبقى راسخاً في الوجدان العربي حيث يجتمع الشعر بالكرامة، والوطن بالمنفى، والذكرى بالحياة، ليبقى “النسر” محلقاً فوق الزمن، لا تسقطه ريح، ولا ينال منه نسيان، تاركاً للأجيال القادمة درساً في العزة والإباء.






