أدب وفن ورياضةاخبار الدنياسورية والعالم
أخر الأخبار

لقاء حصري مع صاحب مدونة أبو عبدو البغل

لقاء حصري مع صاحب مدونة أبو عبدو البغل

لقاء حصري مع صاحب مدونة أبو عبدو البغل

خاص الدنيا
قالوا عنه: عدو المؤلفين ودور النشر والمكتبات، صديق القارئ، عاشق الكتاب.. وقالوا: قرصان الكتب، وقالوا روبن هود القارئ الفقير.. وغيره وغيره

*- فمن هو أبو عبدو؟ أرجو أن تتفضل بتقديم نفسك ومشروعك للقارئ.

أنا مواطن سوري عادي، وأحسب نفسي محظوظاً أنني عشت مراهقتي وشبابي في الثمانينات بكل صخبها، سحر الأفكار اليسارية، وإرهاصات المقاومة الفلسطينية، والحرب الأهلية اللبنانية، وبطش نظام الأسد الأب بالإسلاميين ثم باليسار المنظم من بعدهم.
كانت المطالعة ومتابعة المجلات الفكرية والثقافية الدورية متنفساً لنا في تلك السنوات، حتى أني كنت أتابع عشر مجلات في الشهر الواحد! كل هذا ساهم في تكوين وعيي ووعي أقراني من الشباب، وزرع فيّ حباً وولعاً بالكتاب والفكر والثقافة لم يفارقني حتى اليوم.
كان السائد وقتها أن يبدأ الشاب بتكوين مكتبته الخاصة، تتمة لاهتمامه بالقراءة، وبالنتيجة تشكلت عندي مكتبة كبيرة في كافة المجالات والاهتمامات، ومن ثم حملت مكتبتي معي عندما غادرت سوريا رغم صعوبة الشحن وقتها.
أما المشروع فقد بدأ من هذا الشغف.
ففي بداية عام ٢٠١١، كان الجو وقتها مشحوناً بزخم الربيع العربي في تونس ومصر، أنشأت مجموعة على الفيسبوك وبدأت بتصوير كتبي الخاصة ونشرها، وأغلبها من الكتب العربية القديمة والنافدة والممنوعة.
وبعد أيام انضم إليّ الصديق الرسام المرحوم جمال حتمل، وكان انضمامه نقطة تحول حقيقية، فقد فتح مكتبته النادرة وصار يصورها معي، وهكذا كبرت المجموعة، ثم أضفت إليها مدونة وقناة على تيلغرام.

*- يربط البعض بين أبو عبدو البغل وشخصية سياسية، ما سر هذا الربط؟!

لا، أبداً، مجرد مصادفة! الحقيقة أن لقبي بين أصدقائي في فترة الشباب كان أبو عبدو، وعندما نبتت فكرة المجموعة عندي اخترت لها هذا الاسم، وأضفت إليه البغل كنوع من الدعابة لا أكثر.
ولو خطر في بالي يومها أن أحداً سيقرأ الاسم على هذا النحو لما اخترته أصلاً!

*- أنشأت مجموعة أبو عبدو البغل المجانية على فيسبوك وربطتها بحساب سحابي، وحمّلتها آلاف الكتب، جزء كبير منها أنت من قام بسحبه وتحويله إلى نسخة إلكترونية، وهذا يتطلب جهداً ووقتاً وموارد، ألا يوجد من يمولك؟ وكم عدد الكتب التي قمتم بسحبها؟
اشتغلنا أنا وجمال معاً على الجزء الأصعب في العمل، أي تجميع الصفحات وتنظيفها وترتيبها وإخراجها بشكل ملفات مقروءة.
أما الدافع فهو شغفنا بالكتب أولاً، ومن ثم قناعتنا بأهمية الكتاب والمعرفة في تلك الفترة الحرجة من تاريخنا العربي.
فنحن عشنا فترة الأسد القمعية وسطوة رقابته على الكتاب والمعرفة، وكان أمرا معتاداً وقتها أن تأتيك المجلة بصفحة ممزقة رأى فيها الرقيب أفكاراً تهدد النظام، أو أن يمنع كتاب أو رواية ما.
وأذكر كيف كنا نذهب إلى بيروت لقضاء العطلة الأسبوعية والتبضع، ونحضر معنا قائمة بالكتب الممنوعة ثم نخبئ ما نشتريه منها داخل ثيابنا التي نرتديها، أو نوصي صاحب مكتبة النوري الذي كان يحضر تلك الكتب من بيروت ويبيعها للموثوقين من معارفه.
وكنت أحضر الكتب النادرة من بسطات الكتب على مداخل المحلات المغلقة في بوابة الصالحية صباح يوم الجمعة، ومن ثم تحت جسر الحرية.
وكنت أتفاجأ من الكتب النادرة عالية المستوى المباعة بأسعار بخسة، وأقرأ أسماء أصحابها وأستغرب كيف يمكن لأحد أن يتخلى عن كتاب بهذه الأهمية لبسطة كتب! فأنا كجامع للكتب أعلم أن من يقتني هكذا عناوين يحرص عليها كحرصه على ثروة صغيرة.
ومع مرور الزمن نشأت بيني وبين البائعين مودة، فأسرّ لي أحدهم أن تلك الكتب مصادرة من بيوت “المشبوهين والعملاء” أثناء مداهمتها! فقد جرت العادة عند مداهمة بيوت المعارضين أن يأخذ الضابط ما خف وزنه وغلا ثمنه، ويترك تلك الكتب للعناصر ليبيعوها بالجملة لأصحاب البسطات.
شكّل لي هذا الأمر وقتها أزمة، وأحسست بتأنيب الضمير وأني شريك في جريمة اعتقالهم وسلبهم أعز ما يملكون، حريتهم وكتبهم.
إذاً بدأنا أنا وجمال بتصوير كتبنا النادرة والممنوعة وجعلها متاحة على المجموعة، وبدأت طلبات الكتب تنهمر علينا من قراء عرب من شتى أنحاء العالم، وصرنا نجتهد لتأمين الكتب من الأصدقاء ومن المكتبات العامة.
أما سؤالك عن التمويل فجوابه لا، لا يوجد ولم يوجد يوماً، لا ممول ولا إعلانات ولا حتى تبرعات، ولم نطلب من أحد قرشاً ولا نقبله.
فالمشروع كله من جيوبنا ومن وقتنا، أشتري الكتاب بمالي وأصوره بجهازي وأنشره.
وقد يبدو هذا زهداً وهو ليس كذلك أبداً، بل هو الشرط الوحيد الذي يضمن ألا يملي علينا أحد ما ننشره وما نمتنع عنه، ولو دخل التمويل من الباب لخرجت الحرية من الشباك.
وأما العدد فالمدونة اليوم فيها أكثر من خمسة آلاف وثلاثمئة منشور بين كتاب ومقال ومجلة، والمجموعة على الفيسبوك تجاوزت سبعة عشر ألف عضو، والقناة على تيلغرام تقارب اثنين وعشرين ألف مشترك. ولكنني لا أحب الحديث بلغة الأرقام كثيراً، فالرقم الذي يعنيني أن أي كتاب نضعه على المجموعة ينزّل ألفي مرة على الأقل خلال أيام.

*- ما هي أنواع الكتب التي تركز على نشرها؟ هل يوجد تصنيف معين أم تغطي مجالات مختلفة، وما هي هذه المجالات؟

لا يوجد تصنيف واحد، وهذا مقصود.
لو راجعت المدونة ستجد التاريخ والسياسة والمذكرات والسير، والرواية والقصة والشعر والنقد، والدراسات الاجتماعية وعلم النفس والفلسفة، والكتب الدينية على اختلاف مذاهبها واتجاهاتها، والمترجمات، وإلى جانبها مقالات وأبحاث ودوريات لا تجدها إلا في الأرشيف.
ولكن إن سألتني عن الثقل الحقيقي فهو الكتاب السوري، أي التاريخ السياسي لسوريا، والحياة الحزبية، وأدب السجون، والمذكرات، وكتّاب طواهم النسيان.
وهذا ليس تعصباً لبلدي بقدر ما هو نتيجة طبيعية لما بدأنا به، فمكتبتي ومكتبة جمال ومكتبات أصدقائنا كلها سورية.
أما القاعدة الوحيدة التي التزمنا بها فهي المحافظة على حد أدنى يبعدنا عن الإسفاف والابتذال والتفاهة، وما عدا ذلك فالباب مفتوح.
وقد اجتهدنا على التنوع في العناوين حتى نشرنا كتباً هي عكس قناعتنا الشخصية ودائرة اهتماماتنا، فستجد عندنا مذكرات الإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة إلى جانب كتب الشيوعية الحمراء، وليس تسويقاً لفكر أي منهم، بل على العكس تماماً، نحن نقدم للقارئ كل الاتجاهات ونترك له حرية الاختيار.

*- ما الأسس التي تعتمدها في اختيار الكتب؟ وهل تهتم بالطبعة من حيث دار النشر والمحقق، أم أن المهم إضافة كتاب جديد؟

الأساس الأول عندي هو الندرة، أي الكتاب النافد الذي لم يعد يطبع، والكتاب الممنوع، والكاتب الذي مات ونسيه الناس.
ثم تأتي قاعدة الخمس سنوات، فأنا لا أنشر كتاباً لم يمض على صدوره خمس سنوات احتراماً لدار النشر التي ما زالت تبيعه.
وبعدهما التنوع، أن يجد القارئ في المدونة ما يخالف قناعاته لا ما يطمئنها فقط.
أما الطبعة والتحقيق فأنا لست محققاً ولا أدعي ذلك، وأتعامل مع الأمر بواقعية.
فإذا توفرت لدي طبعة جيدة محققة عن دار معروفة قدمتها بلا تردد وذكرت بياناتها كما هي، ولكن في كثير من الحالات لا يكون أمامي خيار أصلاً، فالكتاب الذي أبحث عنه له نسخة واحدة يتيمة عند صديق أو في مستودع مهجور، وهنا يصبح السؤال، أننشره كما هو أم يبقى مفقوداً؟ وأنا أختار نشره بالتأكيد.
والأمانة الوحيدة التي ألتزم بها هي ألا أتدخل في المتن، وألا أنشر نسخة مبتورة دون أن أنبه القارئ إلى ذلك.

*- هل استطاع الكتاب الإلكتروني تعويض الفاقد الثقافي لدى الشعب العربي نتيجة تهالك وانهيار قيمة الكتاب الورقي كوسيلة ثقافة رئيسية؟

عوّض شيئاً وعجز عن أشياء.
عوّض مسألة الوصول وهذه ليست تفصيلاً بسيطاً، ففي سوريا وحدها مليون مهجّر ونسبة كبيرة منهم من المتعلمين، ووجودهم في الغربة زاد من توقهم للقراءة، وهؤلاء هم جمهورنا الأكبر.
فالمهجّر في السويد أو تركيا أو كندا لا يستطيع أن يشتري كتاباً من بيروت لأن شركات الشحن تطلب منه أضعاف ثمنه، والكتاب الإلكتروني حل له هذه العقدة.
وعوّض أيضاً مسألة الكتاب الممنوع، فالرقابة تستطيع أن تصادر شحنة في المرفأ ولا تستطيع أن تصادر ملفاً.
ولكنه لم يعوض المناخ، وهنا المشكلة.
ففي زمن شبابي الذي حدثتك عنه كان هناك نقاد ومكتبات ومجلات وصفحات ثقافية وسجال حقيقي، وكان الكتاب يعيش داخل شبكة تحيط به وتناقشه.
هذه الشبكة تهدمت والملف الإلكتروني لا يبنيها، فهو يوصل النص إلى الناس ولكنه لا يصنع قارئاً.
أنا أرى في إحصاءات التنزيل رقماً كبيراً ولكن في الحقيقة لا أعرف كم واحداً قرأ الكتاب فعلاً، وهذا في رأيي هو الفرق بين أن يكون الكتاب متاحاً وبين أن تكون هناك ثقافة.

*- يقال إن العربي لا يميل للقراءة، وإن فعل فلا يقرأ إلا الكتب الدينية وكتب الطهي والروايات البوليسية، فلمن تتوجه بعملك؟

أسمع هذه المقولة منذ أربعين سنة وأنا لا أصدقها، وتجربتي تكذبها.
فالأكثر تنزيلاً عندنا ليس كتب الطهي ولا الروايات البوليسية، وإنما التاريخ السياسي والمذكرات والكتب الممنوعة وأدب السجون.
وعندما نشرنا “التجربة المرة” لمنيف الرزاز و”كسرة خبز” لسامي الجندي تهافت عليهما القراء بشكل لم أتخيله، وهذه ليست كتباً سهلة ولا خفيفة كما ترى.
المشكلة إذن ليست في ميل العربي، وإنما في أن الكتاب لم يعد في متناوله، فإما منع وإما نفد وإما صار ثمنه يعادل يومية عامل.
ثم هناك تلك المفارقة المؤلمة، أن الشخص المقتدر غير مهتم بالكتاب أصلاً، بينما محدود الدخل مهتم به ولكن الإنفاق عليه ليس من أولوياته المعيشية.
وأنا أتوجه إلى هذا الأخير تحديداً، الشاب في المخيم أو في بلاد اللجوء، والطالب، والباحث الذي لا يملك ثمن مرجع واحد، ومن يريد أن يقرأ ما منع عنه.
ولست في وارد إصلاح ذوق أحد، أنا أضع الكتاب على الطاولة ومن يريده يأخذه.

*- من خلال موقعكم وخبرتكم، ما هي أكثر أنواع الكتب الإلكترونية التي يفضلها القارئ العربي بشكل عام؟

بحسب ما نراه عندنا، فإن المذكرات والشهادات الشخصية في المقدمة بلا منافس، ويليها التاريخ السياسي الحديث، ثم الكتب الممنوعة أياً كان موضوعها فمجرد كلمة ممنوع تضاعف الطلب، ثم الرواية، ثم الكتب الدينية والفكرية.
وهناك أمر ألاحظه دائماً وهو أن القارئ يبحث عن نفسه وعن بلده.
فالسوري يبحث عن سوريا والعراقي عن العراق، وكأن الناس بعد كل ما جرى يريدون أن يفهموا كيف وصلنا إلى هنا، فيعودون إلى الخمسينيات والستينيات يفتشون عن الجذر.
الكتب التي تجيب على سؤال لماذا انتهينا إلى هذا هي الأكثر طلباً، وأنا أرى في ذلك مؤشراً صحياً ولا أراه هروباً.

*- هل ترى أن الفائدة تتحقق بالكتب التراثية، أم بما يتم تداوله من روايات وقصص قد لا تمنح القارئ هوية بقدر ما تكوّن فكره على نحو لا يخلو من اختلاط؟

اسمح لي أن أقول إنني لا أستسيغ هذه المقابلة بين التراث والرواية، ولا أظن أنها مقابلة حقيقية أصلاً. فالتراث يعطي القارئ عمقاً وذاكرة ومعرفة بمن سبقه، والرواية تعطيه شيئاً آخر لا يعطيه التراث، أن يعيش حياة غيره وأن يرى العالم بعيني إنسان مختلف عنه.
وهذه ليست ترفاً في رأيي، بل هي أقصر طريق إلى تقبل الآخر.
أما مسألة الاختلاط التي تشير إليها فأنا لا أخاف منها، بل أخاف من عكسها.
فالقارئ الذي لا يقرأ إلا لوناً واحداً يخرج بيقين مغلق، وهذا اليقين المغلق هو بالضبط ما جعل الأفكار المتطرفة تنمو عندنا، فعندما لا يجد الشاب كتاباً يقرأه ويناقشه ثم يتبناه أو يعترض عليه سيسهل العبث بأفكاره وتوجيهه إلى خيارات خطرة.
الهوية لا تبنى بحماية صاحبها من الأفكار وإنما بالاحتكاك بها.
ولهذا نشرنا كتباً تتناول مذابح الأرمن وكتباً عن السريان، وعن معاناة الأكراد، وعن أشقائنا العلويين والدروز، وتركنا الحكم للقارئ.
وعندي قناعة أن حجب ومنع الكتب بدعوى حماية الناس من الفكر الدخيل أو المنحرف هو جزء من القمع وحجب الحرية، ومن الذي جعل الحكومات وصية على الفكر أصلاً! من حق أي شخص أن يقرأ ما يشاء ويعترض ويستاء مما يقرأه وينتقده بطريقة حضارية، وبهذه الطريقة تنتعش حركة الفكر والثقافة وينضج القارئ ونعتاد على قراءة الرأي والرأي الآخر دون أن يثير هذا غلياناً شعبياً.
وأفضل مثال على ذلك رواية “آيات شيطانية” لسلمان رشدي، وهي في رأيي رواية أقل من عادية على المستوى الأدبي، ولكن ردة الفعل المتطرفة عليها زادت من شهرتها وجعلتها في قمة الكتب المباعة عالمياً وجعلت من كاتب مغمور نجماً، مع أن كل ما كان يتطلبه الأمر ربما هو مناقشتها نقاشاً موضوعياً أو مقاضاة كاتبها إن كان فيها تحريض مقصود.
وفي الختام، يقال إن الديمقراطية تنقل الخلافات والصراعات بين الناس إلى شكل سلمي تحت قبة البرلمان، وأنا أقول إن الكتاب والنقاش ينقلان الانقسامات والصراعات من الشارع إلى صفحات الجرائد أو السوشال ميديا. وهذا وحده يكفي.

*- يوجد كتب ومخطوطات نادرة الوصول للقارئ العربي، وهي طبعات البلاد الإسلامية غير الناطقة بالعربية، هل تضعها في الخطة؟

بصراحة هي في الرغبة وليست في الخطة، وأنا أفرق بين الاثنين.
فطبعات إستانبول ولكناو وحيدر آباد وكازان وسراييفو وطهران فيها ذخائر لم يرها القارئ العربي، وبعض تلك الطبعات هي الوحيدة الموجودة لنصوص لم تطبع في بلادنا أصلاً.
ولكن الوصول إليها يحتاج ما لا أملكه ومعرفة بلغات تلك البلاد للتعامل مع فهارس مكتباتها، وأحياناً إذناً من مؤسسات.
ثم إن المخطوط شأن آخر غير الكتاب المطبوع، فتصويره وإخراجه بصورة تصلح للقراءة عمل يحتاج اختصاصيين وتجهيزات، ونحن مجموعة أصدقاء بهواتفهم وماسحاتهم الضوئية لا أكثر.
وما أستطيع قوله بصدق أنه إن وصلني عمل من هذا النوع مصوراً تصويراً صالحاً نشرته فوراً وبفرح، والباب مفتوح لمن يملك ذلك.
أما أن أدعي أن لدينا خطة لهذا الملف فلا، وسيكون هذا ادعاءً.

*- هل تحاول الحصول على المكتبة المغاربية عموماً لبعدها وندرة وصول مطبوعاتها إلى المشرق؟

المرحوم جمال متزوج من سيدة مغربية، وكان في كل إجازة له في المغرب يشتري عدداً كبيراً من الكتب المنشورة هناك، ولهذا نشرنا عدداً لا بأس فيه من الكتب المغربية بالذات.
أما كتب بقية أشقائنا في دول المغرب العربي فنحن نضع ما يصلنا منها، فعندنا الطاهر بن جلون وعبد المجيد القدوري ورشيد بوجدرة وإنعام بيوض وعمار هلال وشيء من الشعر الأمازيغي المترجم، ولكن هذا للأسف لا يمثل مكتبة المغرب العربي ولا عشرها.
والسبب بسيط، فدورة النشر المغاربية شبه منفصلة عن المشرق، والكتاب الذي يصدر في الرباط أو الجزائر قد لا يصل إلى بيروت أبداً، ونصفه بالفرنسية أساساً.
والحل الوحيد عندي هو نفسه الحل الذي أنقذ كتب الرقة.
فعندما دخلت داعش المدينة عام ٢٠١٣ وأحرقت مركزها الثقافي وصادرت الكتب، قام مجموعة من شبانها، وأذكر منهم عبد الكريم الفراتي وفؤاد، بجمع ما استطاعوا الوصول إليه من مكتبات الأصدقاء والمعارف وإخفائه في مستودع، ثم صوروه صفحة صفحة بواسطة الموبايل وأرسلوه إلينا لنعيد إخراجه كتباً مقروءة، أي أن التطوع هو الحل.
ومن هنا أوجه الدعوة صريحة عبر مقابلتك هذه، فأي قارئ مغاربي عنده كتب نافدة أو ممنوعة فليتواصل معنا وسننشرها باسمه.

*- هل حاولت تحويل مطبوعات العراق النادرة إلى نسخ إلكترونية؟

يبقى العراق أفضل حالاً عندنا من المغرب العربي، فلدينا عشرات العناوين العراقية بين التاريخ السياسي والشعر والدراسات الاجتماعية، من فاضل الربيعي وشاكر لعيبي إلى كتب في سير رجال الحكم وتاريخ العراق الحديث، ولنا قراء عراقيون كثر.
ولكن ما نملكه لا يوازي ما ضاع، فالمطبوعات العراقية من الأربعينيات إلى السبعينيات كانت من أرقى ما أنتج في العالم العربي، ومطابع بغداد ومجلاتها كانت مدرسة بحد ذاتها، ثم جاء الحصار ثم عام ٢٠٠٣ وحرائق المكتبات ودار الكتب والوثائق وضاع ما لا يعوض.
وأنا أعتبر ما بقي من تلك المطبوعات في البيوت الخاصة أمانة حقيقية في أعناق أصحابها، وأقول لهم ما قلته لشباب الرقة، صوروها الآن، فالورق يموت وحده حتى دون حرب.
وأي عراقي يريد أن يصور مكتبته سنساعده تقنياً وننشر ما يرسله.

*- المكتبة اليمنية غائبة بشكل واضح عن الساحة العربية، هل حاولت الوصول إليها؟

ملاحظتك دقيقة ومؤلمة، وأعترف أن اليمن هو الأضعف حضوراً في مدونتنا على الإطلاق، فما عندنا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وجدي الأهدل ونادية الكوكباني ومروان الغفوري وكتاب أو اثنان في تاريخ اليمن القديم.
وهذا عيب فينا قبل أن يكون عيباً في اليمن.
واليمن ليس بلداً فقيراً ثقافياً بحال من الأحوال، بل هو من أغنى بلادنا بالمخطوط وله تراث فكري وفقهي ولغوي خاص جداً، وفيه أدب معاصر ممتاز لا يعرفه أهل المشرق.
ولكن الحرب هناك فعلت ما فعلته الحرب عندنا وأكثر، وقطعت اليمن عن دورة النشر العربية كلها.
ولو وجدت اليوم في اليمن مجموعة شباب تصور ما تصل إليه، كما حصل في الرقة، لكان هذا من أهم ما نفعله.
وأنا أقولها دعوة مفتوحة وليست مجاملة.

*- تراث وسط أفريقيا المسلم يكاد يندثر، وكتب الشناقطة تقريباً لا يعرفها أهل المشرق، فهل تفتح قنوات اتصال، أو يتواصل معك أحد من تلك الأماكن؟

لا، ولن أزوق الجواب.
ليس عندنا من هذا التراث شيء يذكر، عنوان واحد تقريباً، وهذا يحرجني فعلاً وأنت تسأل.
والحقيقة أن الشناقطة وعلماء تنبكتو وشنقيط وكانو أنتجوا مكتبة كاملة في اللغة والفقه والنحو والشعر، وحفظوها في ظروف أقسى من ظروفنا جميعاً، ثم بقيت مجهولة عند أهل المشرق لأسباب لا علاقة لها بقيمتها.
ولم يتواصل معنا أحد من تلك المناطق، وأظن أن جزءاً من المسؤولية علينا نحن، فنحن أيضاً لم نمد يدنا إليهم.
وهنا تبرز من جديد مشكلة المخطوط التي ذكرتها قبل قليل، فتراث شنقيط وتنبكتو مخطوط في معظمه لا مطبوع، وهذا يحتاج جهداً مؤسسياً لا جهد هواة مثلنا.
ولكن إن قرأ هذه المقابلة أحد من موريتانيا أو مالي أو النيجر أو شمال نيجيريا وعنده مطبوعات أو مصورات، فليعتبر بابنا مفتوحاً، وسنفرد لها مساحتها كاملة.

*- هل فكرت بحل مستقبلي ينصف المؤلف ودار النشر؟

فكرت في هذا كثيراً، وأنا لست مرتاحاً في هذه النقطة ولا أدعي أنني وجدت لها حلاً.
فما نفعله اليوم هو تخفيف للضرر وليس حلاً له، قاعدة الخمس سنوات، والتركيز على النافد والممنوع لا على المطبوع المتداول في السوق، والعبارة التي نضعها على كل كتاب، إذا أعجبك الكتاب رجاء اشتر الكتاب الورقي، وهي ليست شعاراً فارغاً، فكثير من الناس يشترون الورقي بعد أن يقرؤوا الإلكتروني. وقبل هذا كله، إن طلب مني مؤلف أو ناشر حذف كتابه حذفته فوراً وبلا نقاش.
أما الحل الحقيقي فهو أكبر مني ومن أمثالي، وأتصوره في ثلاثة اتجاهات.
أولها أن يعود حق النشر إلى المؤلف حين يتوقف الناشر عن طباعة الكتاب، فلا يبقى الكتاب رهينة في درج، لا هو مطبوع ولا هو متاح للناس.
وثانيها منصات اشتراك عربية بأسعار تناسب دخل الناس، تدفع للمؤلف والناشر بحسب القراءة، على غرار منصة أبجد التي أنا مشترك فيها فعلاً وأراها مفيدة جداً.
وثالثها، وهو الأهم في نظري، أن تقوم وزارات الثقافة العربية بواجبها فتشتري حقوق الكتب النافدة وتتيحها للناس مجاناً، فما نقوم به نحن كهواة يفترض أن تقوم به مؤسسات رسمية.
نحن نسد ثغرة تركها غيرنا، ويوم تسد هذه الثغرة سأكون أول من يغلق المدونة وهو مرتاح الضمير.

*- هل لديك أي ضمانة أو خطة لاستمرار العمل لأجيال قادمة؟

الضمانة الوحيدة الجدية هي أن ما نشرناه لم يعد عندنا وحدنا.
فالكتاب الذي ينزّل آلاف المرات صار موجوداً في آلاف الأجهزة في أنحاء الدنيا، ولا سلطة على الأرض تستطيع أن تجمعه من هناك، وهذه في رأيي أقوى من أي أرشيف.
ولهذا نحن موجودون في ثلاثة أماكن، الفيسبوك والمدونة وتيلغرام، لا حباً بالانتشار وإنما لأن ضياع منصة لا يعني ضياع العمل كله.
وما عدا ذلك فأنا لا أملك ضمانات، وأقولها بصراحة.
نحن مجموعة أصدقاء، بلا مؤسسة ولا تمويل ولا وريث معلوم، وقد رحل جمال، والحسابات الرقمية تغلق أحياناً لأسباب تافهة.
وهذا القلق يرافقني فعلاً ولا أخفيه.
ولكن ما يطمئنني أن الفكرة نفسها انتقلت إلى غيرنا.
فشباب الرقة لم يطلبوا إذن أحد، وكذلك من يصور اليوم مكتبة أبيه في حلب أو الموصل.
أنا لا أريد أن يستمر أبو عبدو البغل بالضرورة، وإنما أريد أن تستمر هذه العادة، أن يرى أحدهم كتاباً نادراً فيصوره ويعطيه للناس.
وإن وجدت يوماً مؤسسة جادة تحمل هذا الأرشيف وتحفظه بشروط تحترم القارئ ولا تخضعه لرقابة، فسأسلمها كل ما لدينا بلا تردد وبلا مقابل.

*- تخجل كلمات الشكر أمام عظمة ما تقومون به بصمت ومحبة وحيادية، هل لديك ما تضيفه؟
نقطة أخيرة لا أعرف كيف أعبر عنها، شي بيحرق القلب ان الاشخاص من جيلنا بنوا مكتبتهم, كتابا وراء الأخر وكانوا فخورين بها, ثم يتوفى الواحد إلى رحمة الله, فيأتي الورثة ويرمي بالمكتبة كلها في القمامة, وهذه حصلت مع أعلام أدبية كبيرة في سوريا مثلاً
نتمنى حفظ كل هذه الكتب, احتراما لذكرى المتوفي أولا ومن ثم استمرارية للثقافة السورية.
وشكرا لك مرة أخرى من القلب.

 

#أبوعبدوالبغل   #مدونات_ثقافية  #كتب_الكترونية

 

زر الذهاب إلى الأعلى