
الأحتفال بوزن سمو آغا خان
خاص الدنيا
سنة ١٩٤٦ في شهر آذار، ازدحمت مدينة بومباي بمئات الآلاف من المريدين القادمين من سورية وإيران وأفريقيا والخليج والعراق وأفغانستان والهند.
سنة ١٩٤٦ في شهر آذار، ازدحمت مدينة بومباي بمئات الآلاف من المريدين القادمين من سورية وإيران وأفريقيا والخليج والعراق وأفغانستان والهند.
كان المشهد فريداً في تاريخ العالم:
سمو آغا خان الثالث، سلطان محمد شاه، رئيس الطائفة الإسماعيلية النزارية، يقف على ميزان الكهرباء، فيُوزن بما يعادل جسمه من الماس الأصلي…
نحو ٢٤٣ رطلاً، بقيمة تجاوزت ٦٤٠ ألف جنيه إسترليني.
ارتفعت أصوات التهليل والتكبير، وسالت دموع الفرح ووضعت امرأة من المريدين حفنات من الجواهر في الكفة وهي تبكي فرحاً.
كان ذلك يوم اليوبيل الماسي، بعد ستين عاماً من الإمامة، يوماً برهن على ولاء لا مثيل له.
ولد سلطان محمد شاه في ٢ تشرين الثاني ١٨٧٧ في كراتشي وتولى الإمامة وهو طفل في الثامنة من عمره سنة ١٨٨٥ ليصبح الإمام الثامن والأربعين للطائفة.
تلقى تعليماً دينياً وشرقياً وغربياً في إتون وكامبريدج فمنحته الملكة فيكتوريا والملك إدوارد السابع وجورج الخامس وإمبراطور ألمانيا وسلطان تركيا وشاه إيران ألقاب الفروسية والتكريم.
أسس عصبة مسلمي كل الهند سنة ١٩٠٦ وكان أول رئيس لها ودعم الحلفاء في الحرب العالمية الأولى ومثل الهند في عصبة الأمم وترأسها بين ١٩٣٧ و١٩٣٨.
تحت إمامته ازدهرت الطائفة بمشاريع تعليمية واجتماعية واقتصادية في شرق أفريقيا وجنوب آسيا. احتفل بيوبيله الذهبي سنة ١٩٣٧ فوُزن بالذهب ثم بالماس سنة ١٩٤٦، ورمزياً بالبلاتين سنة ١٩٥٤. كانت هذه الاحتفالات تعبيراً عن حب عميق، وحوّل هو العائدات إلى مؤسسات تنموية تعود بالنفع على أتباعه.
في الخمسينيات عانى من الروماتيزم حتى عجز عن المشي.
نصحه صديق بزيارة أسوان، فجاء إليها سنة ١٩٥٤ مع زوجته وحاشيته.
نصحه شيخ نوبي بدفن نصف جسمه السفلي في رمال أسوان ثلاث ساعات يومياً لأسبوع.
سخر الأطباء الأجانب لكنه اتبع النصيحة وعاد بعد أسبوع يمشي على قدميه.
أحب المكان، فاشترى الأرض وبنى فيها مقبرته.
توفي في ١١ تموز ١٩٥٧ في سويسرا ودُفن في ضريحه المطل على النيل بأسوان.
خلفه حفيده كريم آغا خان الرابع، بقيت زوجته البيجوم أم حبيب تضع وردة يومياً على قبره حتى وفاتها سنة ٢٠٠٠ ودُفنت بجواره.
هكذا كان آغا خان الثالث:
إماماً روحانياً وسياسياً وإنساناً أعاد تعريف الولاء والقيادة في عصر التحولات الكبرى.
وكانت مجلة الدنيا سنة 1946 قد غطت الحدث بمقال قالت فيه:
تزخرفت اليوم صفحات تاريخ الهند الزاخر بحادث منقطع النظير عديم المثال عقمت الايام ان تأتينا بمثله في تاريخ العالم .
مساء الاحد في ١٠ اذار سنة ١٩٤٦ وزن سمو آغاخان رئيس الطائفة الاسماعيلية بالالماس
صعد سمو آغا خان بين هتاف الفرح واصوات التهليل وتصفيق الارتياح من مئات الالوف ومن انصار الملوك والامراء والعظماء على ميزان الكهرباء فعادل ثقل جسمه الطاهر ٢٤٢ رطلاً ١١٨ كيلو من الماس الاصلي بقدر قيمته (٦٧٠٠٠٠) جنيهاً انكليزياً (ما يساوي ٧٠٠٠٠٠ روبية)، فكان ذلك اليوم يوماً مشهوداً وحيداً بين ايام الدنيا، الامر الذي برهن للعالم مقدار حب الطائفة الاسماعيلية لرئيسها الروحاني وصدقهم في الولاء له .
كما وان ذلك آية من سموه التي تدل على امامته الحقة .
فلولا نفوذه الروحاني في بني الانسان ما استتب له ذلك .
سارت الناس لمشاهدة هذا اليوم العظيم من كل النواحي فكانت مدينة بومباي المزدحمة بالسكان وجهة الجمع والفرد، فرحل اليها خلق من انصار سموه من العرب وغيرهم مثل سورية وايران واسيا الوسطى والروس وافريقيا وخليج فارس والعراق وافغانستان، هذا الذين نزحوا اليها من نواحي الهند والسند.
تجمع هذا العدد الكبير في مدينة واحدة هي بومباي التي ضاقت باهلها ذرعاً قبل ان تجتمع فيها هذه الامة العظيمة لمشاهدة يوم الوزن وتحتفل بعيد ميلاد رئيسها المحبوب .
جاء يوم الوزن فتقاطر الناس افواجاً افواجاً الى الموضع المعد لذلك .
لم تشاهد مدينة بومباي في حياتها جمعاً كهذا اجتمع في مكان واحد، ثم لم يسمع ولا يجوز ان يسمع ان
احتفالا حضره مئات الالوف من المشاهدين ثم ولا شغب ولا ضوضاء كما تميز بهذا الاحتفال على ضخامته من السكون والهدوء.
لبث المحتفلون مريدي سموه وغيرهم من المدعوين من الشخصيات البارزة ينتظرون بفارغ الصبر الساعة السادسة والدقيقة الثلاثين ميقات الوزن الى ان ازف الموعد فارتفعت الاصوات بالتهليل والتكبير وسالت دموع الفرح على الوجنات
وامتدت الاعناق للتشوق والتزود بالنظر الى سموه الكريم ، وقبل ان يقف سموه الى الموضع ، شرف مولانا ولي العهد برنس على خان ماشياً امام زمرة امراء الهند يتقدمهم راجه نوانكر بابهة الملوك وجلالها وكانت ام الحبيب تمشي خلف الامراء مصحوبة بالامير صدر الدين بن مولانا آغا خان وعليها لباس ابيض .
ابتدأت الحفلة بتلاوة القرآن الكريم ثم القى رئيس الحفلة خطاب الترحيب ومن بعض ما قاله ان الاسلام لم يجد اعظم شخصية من سموه الجامع بين رئاسة الدين والسياسة وان الطائفة الاسماعيلية قد خطت نحو الرقي المدني والدنيوي خطوات واسعة ونالت من النجاح في الامور الاجتماعية والسياسية والمادية والروحية مالا يقدر بحساب، بفضل جهود سموه لفلاح هذه الامة وبارشاداته النيرة لهدايتها ، خلال الستين عاماً من امامته؛ وان سموه قد فهم هذه الفرقة معنى الاسلام وحتواه الحقيقي ، وانت سموه لا يال جهداً ولا ادخر وسعاً في توحيد كلمة الهندوس والمسلمين في الهند وان سموه قد فهم هاتين الفرقتين السياسيتين غير مرة بان الحصول على استقلال الهند وعظمتها يتوقف على رفع الفروق بين الطائفتين والعمل لصالح الجميع .
وختم رئيس الحفلة مستر . ج . فادلي خطابه بالكلمات الاتية : لقد اخترنا الالماس وهو اعظم خلق الله في المجوهرات لوزنك ياصاحب السمو لانك اعظم خلق الله قاطبة ، ولو وجدنا اكرم من الالماس في المجوهرات لاختيرناه ، وعند انتهاء عملية الوزن كبر الجميع وارتفعت الاصوات بالتهليل فطأطأ لهم سموه مظهراً ارتياحه ، كما وانه القى كلمة قصيرة شكر الجميع فيها .
ومما يُحسن ذكره هنا ان امراة من المريدين تقدمت الى آلة الوزن والعملية جارية فباوزعت من صدرها ملىء كفيها مجوهرات الماس فوضعتها بالميزان واخذت محلها ودموع الفرح تسيل على خديها .
وقد وردت الى سمو آغا خان بهذه المناسبة برقيات وكتب عديدة فمنها برقية نائب ملك بريطانيا بالهند : وبعث ملك مصر تهانيه مكتوبة بالاحرف المذهبة كما تتابعت التهاني من شاه ايران ونائب ملك العراق ورئيس جمهورية سورية .
شرف مولانا الامام الجامعة الاسلامية على كروكار والقى فيها كلمة طيبة حض فيها على ضرورة
البحث والتنقيب العلمي والفني والعملي بتاسيس معهد لذلك وقدر سموه المبالغ التي تعتبر لازمة لاخراج المعهد الى حيز الوجود (١٠٠٠٠٠٠٠) روبية عشرة ملايين روبية واستعد سموه لاكتاب (مليون روبية) وطلب الى الاعضاء جمع ما بقي قائلا : لا أرى صعوبة في جمع (٩ ملايين
روبية) ٩٠٠٠٠٠٠ روبية من هند في سنة واحدة ولو كنت شاباً لسعيت بنفسي في جمعها .
ان المسلمين الذين كانوا في طليعة العالم في العلوم والفنون اصبحوا اليوم خلف الامم ان المسلمين في حاجة ماسة الى المعاهد العلمية والفنية .
ان الهند تستقبل سنة ١٩٤٦ وليكن اعوام المعهد في السنة نفسها .







