أدب وفن ورياضة

الكلب

الكلب

الكلب

خاص الدنيا
في مقاهي دمشق الشعبية، وسط دخان السجائر ورائحة القهوة، كان أديب شاب يخط بيده أربع صفحات شعرية ساخرة، على نسخة واحدة يوزعها على الأصدقاء، في تمرد صريح على الرقابة والسلطة.

بعد استيلاء حسني الزعيم على الحكم عام 1949، وما تلاه من انقلابات قيّدت الصحافة والرأي، فاختار صدقي إسماعيل (1924-1972) أن يطلق صوتاً لا يُكمم، فأسّس جريدة “الكلب” غير المرخصة، مكتوبة بشعر موزون و مقفى، من الافتتاحية إلى تقرير الطقس والإعلانات.
اختار الاسم تيمناً بالمدرسة الفلسفية الكلبية القديمة، وقال متهكماً:
“الكلب هو الكائن الوحيد الذي يحق له النباح دون أن يلزمه أحد بشيء”.

كانت “الكلب” ظاهرة فريدة في الصحافة العربية:
تُكتب بخط يد مؤسسها في مقاهي الجسر الأبيض والهافانا والروضة، وتُتداول يدوياً مجاناً، فتجاوزت مئة وخمسين عدداً على مدى نحو عشرين عاماً، دون أن تُطبع إلا مرة واحدة عام 1969.
شارك فيها أدباء بارزون مثل سليمان العيسى (الذي أصدر نسخة فرعية في حلب باسم “ابن الكلب”)، وعبد السلام العجيلي، وغازي أبو عقل ومنصور الرحباني الذي كان مراسلاً للجريدة في بيروت وتأخر بإرسال المادة الصحافية مما تسبب بإصدار العدد، فكتب له ” صدقي إسماعيل” معاتباً:

إلى مراسلنا في أرض لبنان
وعضو أسرتنا منصور الرحباني جريدة الكلب في الفيحاء عاتبة
على تقاعسكم قد مرّ يومان وصوتكم عندكم حرٌ فكل فمٍ
يعوي كما شاء (روسي أو أمركاني) نوّر صحيفتك الغرّاء واحكِ لنا
عن السياسة جواني وبراني
وإن مررت بفيروز قصيدتنا فانبح عليها سلام الكلب روحاني

سخرت “الكلب” من الشعر الحديث، وعلّقت على الأحداث السياسية والاجتماعية بأسلوب “حلمنتيشي” لاذع، كإعلان عن شفرة حلاقة:
“اشتروا شفرة الحلاقة “ناسيت” فقد طالت اللحى في البلاد”.

وُلد صدقي بن علي إسماعيل في 26 أيار 1924 في حي العفان بمدينة أنطاكية، مركز لواء إسكندرون، أتم دراسته الابتدائية هناك، وبدأ مبكراً يحرر مجلات صغيرة بخط يده ويزينها بالرسوم ويوزعها على رفاقه.
بعد سلخ اللواء وضمّه إلى تركيا عام 1938 نزح مع أخيه أدهم إلى سورية فأكمل دراسته الثانوية بين حماة وحلب ودمشق، ونال الشهادة عام 1943.
تخرج في دار المعلمين بدمشق عام 1948، ثم حصل على الإجازة في الفلسفة ودبلوم التربية من جامعة دمشق عام 1952 بتفوق. عمل مدرساً في ثانويات دمشق وحلب ودور المعلمين، وكتب في جريدة “البعث” منذ تأسيسها، ثم في “الجماهير”.

عام 1963 وفي حديث أجراه معه زهير مارديني لمجلة “الأسبوع العربي” البيروتية، قال صدقي: “أصدرتُ الجريدة..
رأيت أول ديكتاتورية تقام على رؤوسنا، لقد شعرت بالاشمئزاز من التصرفات المجنونة والمزيج العجيب من القسوة المتناهية، كان لا بدّ من عمل شيء لكشف هذه المتناقصات وردّ الشباب إلى حقيقتهم”.

أسهم صدقي عام 1969 في تأسيس اتحاد الكتاب العرب، وتولى رئاسته حتى عام 1971، وكان المدير المسؤول ورئيس تحرير مجلة “الموقف الأدبي”.
عُيّن عام 1968 أميناً للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.
شارك في ندوات ومؤتمرات أدبية عربية ودولية، وزار دولاً أوروبية.

تنوعت مؤلفاته بين الرواية والقصة والمسرح والدراسة والترجمة.
من أبرزها رواية “العصاة” (بيروت 1964)، ومجموعة القصص “الله والفقر” (دمشق 1970) التي استُلهم منها مسلسل “أسعد الوراق”، ودراسة “العرب وتجربة المأساة” (بيروت 1963)، و”رامبو: قصة شاعر متشرد” (دمشق 1952)، ومسرحيات مثل “سقوط الجمرة الثالثة” و”الأحذية” و”أيام سلمون”.
صدرت أعماله الكاملة في ستة مجلدات بين 1977 و1983.
كتب أيضاً عن فان غوخ ومحمد علي القابسي، وترك مقالات ودراسات قومية واجتماعية.

تميّز أسلوبه بالعمق الإنساني والنقد الاجتماعي، مع اهتمام خاص بالفقر والإنسان المهمّش والقضية العربية.
في “الكلب” خاصة، مزج السياسة بالأدب بسخرية واعية، فكتب تاريخ حقبة الانقلابات بأبيات شعرية، ونبح حين طُلب من الجميع الصمت.

توفي في 26 أيلول 1972 في دمشق وهو في أوج عطائه، تاركاً إرثاً أدبياً وفكرياً يجسد حرية التعبير في زمن القيود.
لا تزال “الكلب” حاضرة في الذاكرة الثقافية السورية، بمدونة وصفحة على فيسبوك، شاهدة على تجربة استثنائية جمعت بين الإبداع والموقف.
بعد وفاته، جمع سليمان العيسى ما تبقى من أعدادها، منها خمسة عشر احتفظت بها زوجته عواطف الحفار، وأصدرها في مجلد عام 1983.

أشادت بها مجلة “الهلال” القاهرية عام 1977 واصفة إياها بـ”أطرف مجلة فكاهية عربية”.
إن تجربة صدقي إسماعيل تؤكد استحالة تكميم الأفواه، فالكلمة الحرة تبقى حية.

أدناه بعض منشورات مجلة الكلب:

*- يوميات رئيس التحرير
في الحي مجنون يرى بعضهم
بأنه الأعقل في الحارة
لأنه لم يشكُ يوما ولم
يعلن على العقّال أفكاره
ورأسه لم يرتفع مرة
إن زمجرت في الجو طيارة
“جريدة الكلب” (1968)

*- ستعرض سينما “دنيا”
قريباً فيلم “جنكيز خان”
وفيه دعاية حتماً
لـ”تركيا” فكن يقظان

*- يوميات رئيس التحرير
كلًّ شخصٍ صارَت له سيارة
وهو رمزٌ الى انتشار الحضارة
وإلى أننا جماهير سوريّا
وأعني الطلائعَ المختارة
كلّنا صالحٌ لمهنة شوفيرٍ
فإنّا قد أتعبتنا التجارة

*- إعلان رسمي
شخصٌ هنا أعلن عن نفسه
فصار في مدةٍ شهرٍ وزير
وأنتَ قلِّده وكن مثله
تجد على بابك حالا خَفير

*- سجن النساء بسينما
“دنيا” فحاذر أن تراه
وإن دعاك إليه بعض
الأصدقاء فقل: “بلاه”

*- أظهروا للناس ديناً
وعلى الدنيا داروا
وله صاموا وصلوا
وله حجوا وزاروا
ولو بدا فوق الثريا
ولهم رئيس لطاروا

*- “في البدء كانت الأسطورة.
والأسطورة كانت الإنسان عصباً ودماً قبل أن يكون خيالاً وفكراً.
إنه اللهفة الطاغية إلى التحرر والانعتاق من كل ما هو استسلام لواقع الحياة، وخضوع للقدر والمعقول”.
“مواقف إنسانية” (1952)

العدد 106 من جريدة الكلب
العدد 106 من جريدة الكلب
صورة محسنة بالذكاء الاصطناعي لصدقي اسماعيل
صورة محسنة بالذكاء الاصطناعي لصدقي اسماعيل

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى