مكتبة نوبل

د. جوزيف زيتون
أمسى اسمها مكتبة نبل في العقد الاخير من القرن 20 عندما حتم النظام السابق على تعريب تسميات في المصالح التجارية ولو كان يفهمون بالثقافة لكانوا ابقوا على تسمية نوبل ولم تستبدل ب نبل
المكتبة بقيت صامدة تواجه أعاصير التغيير التي شملت الوسط التجاري، ولم ترفع راية الاستسلام، في الوقت الذي أُغلقت فيه كل المكتبات في المنطقة وآخرها (دار اليقظة العربية) التي كانت من أهم دور النشر في المنطقة العربية، وتعيش في ذاكرة جيلنا عناوين متميزة أصدرتها الدار خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ـ تأسست عام 1939 – ويتذكر كل المشتغلين بالثقافة ان في تلك المكتبة كنت تجد اي كتاب تطلبه من الثقافات العربية والأجنبية المختلفة حتى الدينية منها بتلونها لا زلت أذكر أنني اقتنيت رائعة مكسيم غوركي «الأم» من اصدار الدار وعشرات غيرها من العناوين المهمة، التي شكلت تواصلا ثقافيا بين مختلف الأجيال السورية وثقافات العالم، ونتذكر وباعتزاز كبير ترجمات الأديب سامي الدروبي، الذي كان له الفضل في ترجمة كثــــير من روائع الأدب العالمي، المكتبة رفعت الراية البيضاء بعدما أصيبـــت بالموت السريري منذ توقفت عن النشر قبل حوالي عقدين من الزمن، وتم تحويل نشاطها لأعمال أخرى قبل حوالي شهرين، وقبلها بسنوات رفعت (مكتبة ميسلون) راية الهزيمة وأغلقت أبوابها أمام غزو العولمة، وثقافة الاستهلاك الجديدة، وتحولت إلى مكتب لصرافة العملة!
السوق يفرض قوانينه بقسوة على الثقافة بمختلف أشكالها من مكتبات وصالات فن تشكيلي وغيرها، لأن السلعة الأكثر رواجاً وربحاً تفرض نفســـها في السوق، والكتاب يأتي في آخر قوائم السلع ذات المردود الاقتصادي، وأمــــام ارتفاع بدلات فراغ المحلات التجارية بعشرات الملايين من الليرات، تتراجع الثقافة وتنسحب من السوق لتحل محلها السلع الاستهلاكية الكمالية، ولم تنفع عشرات المقالات والحملات التضامنية التي شنها صحافيون وكتاب وقراء منذ سنوات من الحفاظ على وجود مكتبة ميسلون.
سلسلة المكتبات التي أسسها المرحوم حسين النوري وتوزعت على عدة مواقع ما بين محطة الحجاز ومنطقة فكتوريا لا زالت صامدة، تقوم بدورها في تأمين الكتاب للسوريين، وكان للمرحوم النوري الفضل في نشر عشرات العناوين لكبار الكتاب السوريين منذ عشرات السنين، مثل نزار قباني وحنا مينة وغيرهما، وإلى جانبها لا زالت دار الفكر التي كانت من أكثر دور النشر السورية نشاطاً في مجال النشر، تراجع نشاطها في الفترة الأخيرة بسبب حالة الركود التي تسيطر على سوق الكتاب.
من يقصد مكتبة نوبل لشراء أي كتاب، يكتشف قدرة صاحبها على تقمص دور مؤلف الكتاب في شرح مستفيض لمضمون الكتاب، بهدف تسويقه بحرفية متميزة، ولا يفرق بين كاتب وآخر، وقد يتردد الزائر بتحديد نوع وعنوان الكتاب الذي يريده، لكنه لن يخرج من المكتبة وهو خالي الوفاض، فصاحب المكتبة يعرض عليه خيارات أخرى، وإذا لم يكن الكتاب موجوداً، فما على الزائر إلا انتظار بضع دقائق ليتم إحضار الكتاب له من الجهة الناشرة.
علاقتي مع مكتبة نوبل تعود لصداقة العمر مع الأخوين جميل وإدمون نزر، وأعرف عن قرب الإغراءات الكبيرة التي تعرض لها الأخ جميل لتغيير طبيعة عملها لتلحق الموجة الاستهلاكية التي تسود منطقة السوق التجاري، لذا أقدر صمودها أمام موجة التغيير، واستسلام المكتبات لإغراءات السوق والربح.
توقفت بكل اسف عام 2015 بعد صمود قل نظيره…!
مفارقة ساخرة جعلتنا أنا و ؟ نتلفت حولنا أثناء التنبيش في الحاوية خشية أن يرانا أحد (النبيشة) فيعتقد أننا تركنا العمل في الصحافة الرسمية لعمل أكثر جدوى ومصداقية !
٭ كاتب سوري
كانت مكتبة ميسلون ومكتبة نوبل القريبة متعة لي فكنت تقريبا ادلف اليها مطلع كل شهر وبعد استلامي الراتب الوظيفي ، والمكتبتان بقرب مكان عملي، لأنظر ان كان ثمة إصدار جديد لكتاب يتوافق مع فكري واهتماماتي واقتنيه…وقد اقتنيت منها (نوبل) كتبا كثيرة واولها كان موسوعة خطط الشام للمؤرخ العلامة محمد كردعلي، وكتاب الايقونة السورية للعلامة الصديق المرحوم ا. إلياس الزيات و…إصدارات كشفية دولية… وعلى حساب المصروف اليومي…! وكان اولادي صغار، وكنت ابرر لزوجتي انني اترك لهم ميراثي من الكتب حيث ليس عندي مالاً لأورثه لهم…
وبكل اسف توقف الكتاب وإصداره بعدما صارت كلفة طباعته باهظة وليس من تسويق “ولا يعطي همه” (وفق القول الدارج) وهذا حالي مع وضع الكتب وطباعتها…في كل مسيرتي مع تخصصي في القانون الدولي وفي التاريخ العام وتاريخ دمشق…واهتمامي بالثقافة عموماً…
واقتنعت، عكس ماكنت اعتقده بان من خير الميراث هو الكتاب،! فالميديا الإلكترونيّة ذبحته ، حتى ان الصحف الورقية التي كان مجرد تصفحها صباحاً هو متعة تفتح بها شهيتك في العمل اليومي…توقفت بكل اسف…
بعد هذه المسيرة الطويلة في اقتناء الكتب… ولكن المريح كان عندي انه تم قبولها مع الشكر والتقدير ، وادخلت اصولا في التصنيف، وحفظت إلى يوم القيامة ولم أقع في حيرة أقراني واصدقائي كبار السن ومعظمهم مؤرخين وكتاب وأدباء ومثقفين خشوا على مكتباتهم بعد وفاتهم حيث قال البعض :
” لا اعرف ماذا افعل بستة الاف كتاب، وغيره ثلاثة الاف… ، وخمسة الاف !!!”
وطبعا كانوا يقصدون بعد وفاتهم، فنصحتهم ان افعلوا كما فعلت أنا… وبذلك كنوزكم المعرفية تبقى محفوظة وبتقدير مقترنة باسمائكم…كميراث مقدر…
الصورة لصاحب مكتبة نوبل امام مكتبته مع تقديم التحية له على إثراء الشارع الثقافي فيها عبر عمر مكتبته، وفي كل المكتبات…
المقال والصورة منقولان من صفحة د. جوزيف زيتون على فيسبوك






