اختلفت مع عبد الوهاب وأم كلثوم.. غنت ومثلت ورحلت بصمت
اختلفت مع عبد الوهاب وأم كلثوم.. غنت ومثلت ورحلت بصمت
نادرة أمين مصطفى الشتا، مطربة وملحنة وعازفة عود صاحبة صوت عذب مطواع وقوي، من رواد الطرب الشرقي في النصف الأول من القرن العشرين.
لقّبت بـ”أميرة الطرب” و”معجزة القاهرة”، وساهمت في ترسيخ مكانة المرأة في الغناء والتلحين والسينما في زمن كانت فيه الطريق وعرة أمام الأصوات النسائية الجديدة، خاصة مع سطوع نجم أم كلثوم.
وُلدت في 17 تموز 1906 بحي عابدين بالقاهرة، لأب مصري من مدينة رشيد بالبحيرة ينتمي إلى عائلة شتا المعروفة، وأم لبنانية الأصل تدعى فاطمة دغيم.
توفيت والدتها وهي في الثانية من عمرها تقريباً وسافر والدها إلى أمريكا (أو البرازيل حسب بعض الروايات) وتزوج واستقر هناك، فتولت جدتها وعمتها تربيتها.
وبسبب أصول أمها اللبنانية اعتقد كثيرون أنها شامية، رغم أنها مصرية أصيلة، قضت جزءاً من طفولتها في بيروت، حيث درست العزف على العود وغناء الموشحات على يد يوسف عمران وتعلمت الموشحات والإيقاعات من الملحن الحلبي عمر البطش.
أحبت الغناء منذ طفولتها المبكرة حيث كانت تهرب مع زميلاتها في المدرسة الابتدائية إلى حديقة قريبة لتغني لهن، و كان عمها يعاقبها كلما عادت متأخرة.
نظراً لعشقها الفن، زوّجها أهلها وهي في الثالثة عشرة من عمرها تقريباً، لكنها هربت من منزل الزوجية بعد ستة أشهر، فطلقها زوجها.
ظلت تمارس الغناء في حفلات أسرية ضيقة حتى التقت عازف الكمان الشهير سامي الشوا الذي أعجب بصوتها وشجعها على الاحتراف، فكانت نقطة التحول في حياتها.
عادت إلى القاهرة في أواخر العشرينيات وتدربت مع داود حسني الذي أعدها للجمهور.
ظهرت لأول مرة علناً على مسرح رمسيس بشارع عماد الدين حوالي عام 1929 أو 1930، في حفل حضره أمير الشعراء أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب.
غنت من ألحان داود حسني دور “ألحاظ حبيبي يا ناس فؤادي راح لهم” وقصائد للشيخ أبو العلا محمد. نجح الحفل، وبدأت تسجيلاتها مع شركات الأسطوانات، وانضمت إلى الإذاعة المصرية بعد افتتاحها، وقدمت لها عدة أغنيات من تلحينها (ست أو سبع) بالإضافة إلى أغنية لمحمود الشريف.
بدأت في كازينو بديعة مصابني، وتنافست مع مطربات مثل منيرة المهدية وفتحية أحمد.
في عام 1932 لعبت دور البطولة في فيلم “أنشودة الفؤاد”، الذي يُعتبر أول فيلم غنائي مصري (وثاني الأفلام الناطقة تقريباً)، أمام جورج أبيض وعبد الرحمن رشدي.
“يا بحر النيل يا غالي” (أنشودة القطن) و”أمسعدي أنت في مرادي” و”يا أيها البلبل الحنون”.
غنت أيضاً من تلحينها قصيدة لقيس بن الملوح.
توالت أعمالها السينمائية: “شبح الماضي” (1934)، “أنشودة الراديو” (1936)، وغنت بطريقة الدوبلاج في “بنت ذوات” (1942) قصيدة “يا حبيبي أقبل الليل” من تلحين محمد عبد الوهاب.
بعد نجاحها في السينما، أراد المخرج محمد كريم وعبد الوهاب أن تشاركه بطولة فيلم “الوردة البيضاء” تمثيلاً وغناءً، لكنها أصرت على أن يلحن لها رياض السنباطي، فانتهى الاتفاق ووقع الخلاف، وقام عبد الوهاب بالغناء والتمثيل والتلحين بنفسه.
أما التنافس مع أم كلثوم فنشأ من شهرتها المتزايدة خاصة بعد أن غنت للجيش المصري أيام حرب فلسطين عام 1948 أغنية “يا مصري قوم احمِ الوطن” أو “يا جيش بلادنا”، فكانت من أوائل المطربات (إن لم تكن الأولى) اللواتي غنين للجيش أغنية وطنية.
ذاع صيتها أكثر ولحن لها كبار مثل محمد القصبجي ورياض السنباطي وجمعت فرقة موسيقية ضمت أحمد الحفناوي على الكمان قبل انتقاله إلى فرقة أم كلثوم.
لحنت نادرة معظم أغانيها بنفسها وكانت من القلة النادرة من النساء الملحنات في عصرها.
من أشهر أعمالها: “يا رب هيئ لنا من أمرنا رشدا” (من شعر عمر بن الفارض وتلحينها)، “لما بدا يتثنى” و”بين الزهور والمية” (كلمات عباس محمود العقاد الذي أهدى لها عدة قصائد)، “أعطني العود أغني”، “فضفض الماء يا قمر”، “غني معايا يا موج النيل”، “يا وردة مالك دبلانة”، “خدود الورد والياسمين”، “بإيدي أنا جرحت الفؤاد”، “بكاك يا ليل يشجيني”، “يا ساعة الصفو”، بالإضافة إلى موشحات وأدوار وقصائد وطنية ودينية أخرى.
تعاونت مع داود حسني وزكريا أحمد والقصبجي والسنباطي وفريد غصن وأحمد صبري النجريدي ومحمود الشريف وغيرهم. شاركت في حفل عقد القران الملكي عام 1938 مع كبار الفنانين والشعراء.
قدمت للإذاعة المصرية نحو مئتين وعشرين أغنية ونشيداً وموشحاً.
استمرت في الغناء حتى أوائل الستينيات، ثم انسحبت تدريجياً، وأدت فريضة الحج عدة مرات، ودخلت في حالة صوفية، واعتكفت في بيتها وحيدة مريضة.
خصص لها الرئيس جمال عبد الناصر معاشاً أعانها على الحياة.
رحلت في صمت في 24 تموز 1990 عن 84 عاماً بعد أيام قليلة من عيد ميلادها وشُيعت في جنازة بسيطة لم يتجاوز مشيعوها عدد أصابع اليدين.
تركت إرثاً فنياً غنياً يجمع بين التراث الكلاسيكي (الموشحات والأدوار) والحداثة الغنائية، ويذكّرنا الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي بقوله فيها:
“ما أنتِ إلا نادرة.. في كل فنٍ ساحرة.. معجزة بالغة.. من معجزات القاهرة”.
هكذا كانت نادرة أمين: صوت جميل، ملحنة مبدعة، ممثلة رائدة، وامرأة صنعت اسمها بإصرار وسط التحديات، ثم اختارت أن ترحل بهدوء كما عاشت فنها بصدق.
العبرة من حياتها أن الموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج الأضواء لتخليدها، فالإصرار على التعلم والصقل، والصدق في الفن، والقدرة على الانسحاب بكرامة حين يأتي الوقت، هي ما يصنع الأثر الباقي، حتى لو رحل صاحبه في صمت.






