اللواء السوري الأرمني الذي تقدم في حرب الـ1948
اللواء السوري الأرمني الذي تقدم في حرب الـ1948

اللواء السوري الأرمني الذي تقدم في حرب الـ1948
خاص الدنيا
أظهر بطولة مشرفة حيث كان يتنقل بسيارته الجيب بين بطاريات المدفعية يراقب الميدان بدقة عالية ويعطي الإحداثيات للرماة مباشرة فتكون النتائج مؤلمة للعدو، ثم ينتقل إلى بطارية أخرى.
أسهم بتنظيم نيران المدفعية بفعالية ما أكسبه تقديراً واحتراماً كبيرين داخل الجيش، حررت القوات التي تحت قيادته مساحات كبيرة وأبعدت العدو كيلومترات، حيث تذكر بعض الروايات أنه أحرز تقدماً باتجاه حيفا، غير أن المصادر الموثقة تؤكد دوره الأساسي على جبهة القنيطرة دون تفاصيل محددة عن الوصول إلى حيفا.
يُقال إن قواته انتهت الحرب بوقف إطلاق النار تحت ضغوط دولية كبيرة، كما هو معروف تاريخياً.
رُفع بعد ذلك إلى رتبة لواء، إنه اللواء آرام قره مانوكيان “كارامانوكيان 1910 – 1996“
يُعدّ اللواء آرام قره مانوكيان واحداً من أبرز الضباط الأوائل الذين ساهموا في بناء الجيش العربي السوري بعد الاستقلال ومن الشخصيات العسكرية الأرمنية السورية التي جمعت بين الكفاءة المهنية والإخلاص الوطني.
ولد في 1 أيار/مايو 1910 في مدينة عنتاب (عينتاب، غازي عنتاب حالياً) في غرب أرمينيا التاريخية تحت الحكم العثماني لوالدين أرمنيين هما هاكوب أفندي (محامٍ) وماريام ليلكيان.
هُجّرت عائلته مع آلاف الأرمن من عنتاب إلى الصحراء السورية خلال الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915، فوصلوا إلى حماة وأقاموا تحت الخيام أشهراً ثم انتقلوا إلى السليمانية واستقروا أخيراً في حلب بعد حصولهم على إذن من السلطات.
هناك علّمته والدته اللغة الأرمنية بكتابة الأحرف على الورق ونصوص الكتاب المقدس في غياب الكتب تلقى تعليمه الأولي في مدارس أرمنية مثل هايكازيان وأتيناغان وعمل فترة قصيرة لدى طبيب أسنان ثم تابع دراسته في كلية الأخوة الماريست الفرنسية في حلب.
عام 1930 انخرط في صفوف الجيش الفرنسي في سوريا و التحق بالكلية العسكرية في دمشق عام 1932 وتخرج عام 1934 برتبة ملازم، متخصصاً في المدفعية.
أُرسل إلى بيروت ثم إلى فرنسا لدورة تطبيقات مدفعية في مدرسة فونتينبلو (1938-1939) وشارك في المعارك الإنكليزية-الفرنسية في سوريا عام 1941، فنال وسام صليب الحرب الفرنسية.
في أيار 1945 أُوفد من قبل رئاسة الأركان لدورة ضباط أركان في المدرسة الحربية العليا في فرنسا (سان سير) وعاد ضابطاً متمرساً.
بعد استقلال سوريا عام 1946 رفض مغادرة البلاد مع القوات الفرنسية وساهم بفعالية في تأسيس الجيش العربي السوري الوطني.
شغل مناصب قيادية متعددة وكان من الضباط الأوائل الذين نظّموا الوحدات الجديدة.
شارك في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948 قائداً لسلاح المدفعية السورية على جبهة القنيطرة.
عُيّن عضواً في هيئة الأركان عام 1949-1950.
ثم قائداً عاماً للقوات المدفعية السورية من 1949 إلى 1957.
ترقّى في الرتب بانتظام: من ملازم (1934) إلى ملازم أول (1938)، نقيب (1942)، مقدم (1947)، عقيد (1949)، عميد (1953)، ثم لواء (1956)، ونال وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى.
كان يترأس العروض العسكرية في دمشق بمناسبة عيد الاستقلال.
في كانون الثاني 1957 عُيّن ملحقاً عسكرياً في السفارة السورية بواشنطن ونُقل رسمياً من قيادة المدفعية في حزيران من العام نفسه.
تشير المصادر الرسمية إلى أن خدمته العسكرية امتدت نحو 32 عاماً حتى تقاعده حوالي 1958-1964 (تختلف التواريخ قليلاً بين المصادر).
تذكر بعض الروايات الشفوية والعائلية أنه وصل إلى مناصب عليا قريبة من رئاسة الأركان، وأنه خلال فترة الوحدة مع مصر (1958) أُثيرت شكوى ضد ضابط تطاول على رؤسائه فأمر بسجنه وتخفيض رتبته لكن الأمر لم يُنفَّذ لأن الضابط كان مدعوماً.
فيُروى أنه قال حينها: “انتهى أمر الجيش… بعد اليوم لم يعد لدى سوريا جيش”، وقدم استقالته، فرفضت وعُرض عليه منصب وزير الدفاع فرفضه رفضاً قاطعاً، ثم سُرّح.
رفض الانتماء الحزبي للضباط حفاظاً على ولاء الجيش للوطن، انسجاماً مع التقاليد العسكرية الفرنسية التي نشأ عليها ومع ما عُرف عنه من استقلالية.
من مآثره رواية ينقلها الباحث آرا سوفاليان أن اللواء آرام تلقى طلباً من أحد مرؤوسيه من الضباط وكان على وشك الزواج، بأن يسمح له أن يلبس بدلة “السموكن” المدنية بدلاً من البدلة العسكرية في زفافه…
فسمح له، وارسل الى الكنيسة باقة ورد تحمل إسم قطعته على سبيل التهنئة …
بعد انتهاء اجازة الزواج عاد الضابط المتطوّع من دمشق الى قطعته فُطلب منه مقابلة اللواء كارامانوكيان فذهب، حيث هنأه كارامانوكيان بالزفاف و قدم له أمراً مطبوعاً وموقعاً ومختوماً بتسريحه من الجيش …
صُعق الضابط وسأل مانوكيان عن السبب فأجابه:
الضابط الذي يخحل من بدلته العسكرية لا يستحق أن يستمر في خدمة جيش بلاده، لأن إحتقاره لهذه البدلة سيؤدي الى خسارة شرفه العسكري.
بعد التقاعد انتُخب نائباً عن حلب في المجلس التأسيسي والنيابي عام 1961 (جاء ترتيبه الثاني في قائمة المرشحين؛ كان عدد أعضاء حلب 11 مسلماً و5 مسيحيين)، وانضم إلى لجنة الدفاع الوطني.
عاد إلى الدراسة فحصل على إجازة في الحقوق من جامعة القديس يوسف في بيروت، ثم على دكتوراه دولة في الحقوق الدولية العامة من السوربون عام 1972، وكانت أطروحته عن “الأجانب والخدمة العسكرية”.
ألّف كتباً في هذا المجال، ونال أوسمة من سوريا (الاستحقاق، الحربية، حرب فلسطين)، وفرنسا (جوقة الشرف وضابط حرب)، ولبنان، ومصر، وأرمينيا (نرسيس شنورهالي وفارس كيليكيا).
توفي في 23 كانون الأول 1996 في فورت لي بولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة عن عمر يناهز 86 عاماً.
وفقاً لوصيته نُقل جزء من رفاته إلى يريفان ليدفن إلى جانب شقيقه ليفون، والجزء الآخر إلى مقبرة الأرمن الأرثوذكس في حلب، حيث أقيم له احتفال مهيب حضره مسؤولون وفعاليات.
سُميت مدرسة في قرية نور عنتاب قرب يريفان باسمه.
شارك في الحياة الأرمنية الخيرية والتربوية في حلب، وكان محباً للرياضة.
يبقى آرام قره مانوكيان رمزاً للضابط الأرمني السوري الذي خدم الوطن بإخلاص، وساهم في بناء مؤسسته العسكرية في مرحلة التأسيس الحرجة، وترك إرثاً يجمع بين الكفاءة المهنية والكرامة الشخصية.
رواياته الميدانية والإنسانية ما زالت تُروى في الأوساط السورية والأرمنية، شاهدة على جيل من الضباط الذين آمنوا بأن الجيش للوطن لا للحزب.
المصادر الرئيسية المعتمدة بعد التحقق:
- الموسوعة التاريخية لأعلام حلب
- مقالات آرا سوفاليان كاتب إنساني وباحث في الشأن الارمني
- ويكيبيديا العربية والإنكليزية
- موقع التاريخ السوري المعاصر
- مقال لوسَافور أفيديس
- كتابات نورا أريسيان عن النواب الأرمن (نورا آريسيان، الأرمن في المجالس النيابية السورية)
- الروايات العائلية الشفوية المقدمة
الصورة المعدّلة من قبل الأستاذ محمد لوي وكيل






