أدب وفن ورياضة

فنان أجبر العقيد أن يزحف فوق الوحل

فنان أجبر العقيد أن يزحف فوق الوحل

فنان أجبر العقيد أن يزحف فوق الوحل

خاص الدنيا
اعتادت ثلة من العساكر أن تجتمع حول شاب كان يُطربهم بأغاني فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب ذات مساء اقترب الضابط المناوب ونادى:
“أنت يا عسكري يللي عم بتغني.. تعال لعندي!” وأمره بالحضور إلى خيمة الضباط الساعة التاسعة ليغني لهم، وبدأت سلسلة من السهرات الأسبوعية تمتد لمنتصف الليل، بينما كان عليه الاستيقاظ عند الخامسة فجراً فطلب إعفاءه من تلك السهرات المرهقة فتفهّم الضابط الأمر وخصص له خيمة صغيرة ينام فيها حتى الثامنة صباحاً، لكن ذات فجر وبعد اسبوع واحد من بدء الرفاهية وصل عقيد من قيادة الأركان في مهمة تفتيشية مفاجئة فلاحظ الخيمة الصغيرة ورجلاً نائماً فيها، فسأل قائد المعسكر:
“مين هادا يللي لسّاه نايم؟”
تلعثم القائد: “هادا عسكري مجند.. تركناه نايم لأنه مريض شوي سيدي!”
صرخ العقيد: “يا عسكري.. قُم وانهض على حيلك!”
نهض العسكري مرعوباً وبدأت رحلة العقوبات:
منبطحاً، زحفاً، قفزاً، فوق تحت. ثم أمر العقيد بنقله إلى حراسة مستودع المؤونة على قمة الجبل المقابل.

تلقّى العسكري كلمة السر وتوجّه نحو الجبل، و في ليلة شتوية قاسية والمطر ينهمر والأرض موحلة جلس عند باب المستودع، بندقيته محشوة، في منتصف الليل سمع صوت سيارة عسكرية تقترب وشعر أن القادم هو العقيد نفسه ليتفقده!، فقرر الانتقام وصاح بصرامة:

“قف.. قف.. كلمة السر!”
رد العقيد بالكلمة، لكنه تجاهل وكرر الطلب، ثم لقم بندقيته:
“منبطحاً.. منبطحاً.. وإلا سأطلق النار!”
انبطح العقيد ومضى يزحف وسط المستنقعات الغارقة بالطين والحجارة والأشواك لمسافة خمسة عشر متراً، وعندما اقتربالعقيد، علّق العسكري سلاحه وأدى التحية ببرود:
“المجند فهد حمود بلان.. حاضر سيدي!”
وقف العقيد يلهث بحالةً يرثى لها و صرخ:
“والله.. والله لإخرب بيتك!”
وبالفعل سجنه ثلاثة أيام ثم نقله إلى أقصى الشمال الشرقي في القامشلي!

دارت الأيام، وأصبح فـهــد بـــلان نجماً عربياً.
في ليلة شتوية كان فهد بلان متجهاً مع صديقه نواف السعدي إلى حفل في سينما الزهراء بدمشق فمرّ أمامهما رجل يرتدي معطفاً ثقيلاً.
همس نواف:
“فهد.. بتعرف مين هذا؟ هذا اللواء المتقاعد فلان!”
انتفض فهد وترجّل من سيارته وحجب نصف وجهه وصرخ بالرجل:
“لحظة يا سيد.. ممكن كلمة السر.. وإلا سأمنعك من حضور الحفلة!”
فوجئ اللواء ونظر لوجه فهد ثم انفجر ضاحكاً:
“يووووه.. ولك هذا أنت.. وأخيراً التقينا؟!”
والتفت إلى زوجته وابنته: “هذا هو المطرب.. قصدي العسكري فهد بلان يللي زحّفني على الطين!”
تعانق الرجلان بحرارة، وبعد الحفل لبّى فهد دعوة اللواء إلى العشاء في بيته الدمشقي الدافئ.

تزوج فهد بلان 7مرات ثلاثة منها من داخل الوسط الفني:
النجمات المصرية مريم فخر الدين، واللبنانية صباح، ومواطنتها آمال عفيش.

فهد بلان (1933–1997) التحق بخدمة العلم الالزامية عام 1951 وهو في الثامنة عشرة وفُرز إلى كتيبة المدفعية في المنطقة الجنوبية الغربية في وادٍ تحيط به تلال شاهقة وضمن حياة عسكرية قاسية: استيقاظ عند الخامسة فجراً، تدريبات شاقة، ثم غداء وقيلولة.

فهد بلان لم يكن مجرد مطرب سوري جبلي أصيل، بل كان “نكتة تمشي على قدمين”، جمع بين حنجرة أطربت الملايين، وروحاً مرحة، وكرماً حاتمياً عزّ نظيره، جنى الكثير من الشهرة والمال وامتلك أول سيارة رولس رويس في المنطقة لكنه بقي على بساطته وتواضعه ومودته لاصدقاءه، في مقابلة مع مجلة “الدنيا”، همس فهد للمحرر:

“إني عاتب على الدنيا.. التي ذكرت أني أستهتر بجمهوري!”
والحقيقة أني تأخرت عن حفل في منتزه منين لأني كنت أؤدي واجبي على خطوط الجبهة بدعوة من الجيش، ولم أتمكن من الحضور,
وعندما سأله محرر مجلة الدنيا لماذا لم يعلن سبب التأخير، رد فهد:
“من طبيعتي أن أصمت حين أُهاجم في الدنيا، لأن الأستاذ عبد الغني بمون.. إنها دنيانا جميعاً.”

رحم الله الفنان فهد بلان الذي رحل عام 1997 لكنه كان صاحب مدرسة مميزة وترك إرثاً فريداً من نوعه.

مواضيع ذات صلة:

فهد بلان عاتب على الدنيا

زر الذهاب إلى الأعلى