اخبار الدنيااقتصاد وتكنولوجيا
أخر الأخبار

خيوط أثمن من الذهب - حين تنافست الصين والهند على عرش الفخامة

خيوط أثمن من الذهب - حين تنافست الصين والهند على عرش الفخامة

خيوط أثمن من الذهب – حين تنافست الصين والهند على عرش الفخامة

حرير نسجته أيادٍ صبورة عبر القرون… وثمنه يفوق الذهب والمجوهرات.

خاص الدنيا
للقماش في الشرق حكاية أعمق من الزينة فهو استثمار يفوق أحياناً سبائك الذهب والمجوهرات، وشاهد حي على صبر الإنسان وقدرته على تحويل الخيط إلى أسطورة.
احتكرت الصين سر دودة القز قروناً كسرّ إمبراطوري مقدس، بينما الهند تفننت في تطويع الخيوط حتى صارت “ريحاً منسوجة”.
ومن الهند والصين طريق الحرير الذي اشتكى منه المؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر في القرن الأول الميلادي، قائلاً إن الهند والصين وجزيرة العرب تفرّغ خزائن روما سنوياً ثمناً للترف… والحرير أوّله.

اليوم، بعد أن أصبح الحرير العادي رخيصاً بفضل المصانع، بقيت بعض الأقمشة اليدوية أغلى من الذهب، ليس لأن الخيط نفسه ثمين، بل لأن ساعة العمل النادرة وروح الحرفي الذي ما زال يتقن السرّ هما ما يصنعان السعر.
إليكم جولة في ثمانية من أعظم هذه الكنوز، أربعة من الصين وأربعة من الهند، مع لمحة عن أصناف أخرى تستحق الذكر.

من الصين: كنوز التنين

1- ديباج يونجين (سحابة نانجينغ):

يُسمّى “ديباج السحاب” لأن ألوانه تتدرج كغيوم الغروب.
كان حكراً على ثياب التنين التي لبسها أباطرة مينغ وتشينغ، حيث يُنسج على نول خشبي ضخم يعمل عليه نسّاجان معاً: أحدهما في الأعلى يرفع الخيوط، والآخر في الأسفل يمرر المكوك، نادراً ما يتجاوز ما ينسجانه بضعة سنتيمترات في اليوم، تُدخل فيه خيوط الذهب والفضة، وأحياناً ريش الطاووس. أدرجته اليونسكو عام 2009 ضمن التراث الثقافي غير المادي.
يُباع المتر اليدوي اليوم بآلاف الدولارات، والنسخ المطابقة للثياب الإمبراطورية تصل إلى مئات الآلاف.

2- حرير الكِسي (الحرير المقطوع):

يقول المثل الصيني: “إنش من الكسي يساوي إنشاً من الذهب”. يُنسج بطريقة التابستري، فيكون لكل لون مكّوك صغير خاص به، فتبدو حدود الألوان كأنها قُطعت بسكين.
ازدهر في عهد سونغ، وكانت تُنسج منه نسخ من اللوحات الإمبراطورية يصعب تمييزها عن الأصل. القطعة المتوسطة تحتاج سنة كاملة من العمل المتواصل.
القطع الحديثة بعشرات آلاف الدولارات، والأثرية تصل في المزادات إلى الملايين.

3- ديباج شو من تشنغدو:

أقدم أنواع الديباج الصيني الكبرى، يعود إلى أسرة هان، كان عماد اقتصاد مملكة شو في عصر الممالك الثلاث، حتى يُروى أن الوزير تشوغه ليانغ قال إن الدولة لا تعتمد في تمويل حروبها إلا عليه، لهذا سُمّيت تشنغدو “مدينة الديباج”.
أشهر قطعه واقية ذراع عُثر عليها في شينجيانغ عام 1995، نُسجت عليها عبارة “خمسة كواكب تشرق من الشرق فتنفع الصين”، وهي اليوم من كنوز الصين الوطنية.

5- ديباج سونغ من سوجو

ارتبط بأسرة سونغ ثم بمدينة سوجو، ألوانه هادئة، ونقوشه هندسية متداخلة تشبه الزخارف المعمارية، ويجمع بين النعومة والمتانة، كان يُستعمل في تغليف اللوحات والمخطوطات الثمينة وفي ثياب النبلاء. هو اليوم أقل ثمناً من الكسي واليونجين، لكنه يبقى أغلى بكثير من الحرير الصناعي.

من الهند: أقمشة أغلى من المجوهرات

1- حرير كانشيبورام (كانجيفارام):

ملك الساري في جنوب الهند، يُنسج من حرير التوت الخالص مع خيوط “الزري” الأصلية (فضة مطلية بالذهب)، جسم الساري وحافته يُنسجان منفصلين ثم يُشبكان بإحكام، فيعيش لأجيال دون أن ينفصل.
كان يُقدَّم في المعابد ويتبادل بين العائلات الملكية.
في 2008 دخل ساري كانجيفارام مرصّع بالأحجار الكريمة موسوعة غينيس بقيمة تقارب 4 ملايين روبية.

2- حرير باناراسي:

ازدهر في فاراناسي في العهد المغولي، فدخلته زخارف فارسية كعروق النباتات ونقوش البايسلي.
أغلى أنواعه يُنسج بتقنية “الكادوا”، حيث يُنسج كل عنصر من الزخرفة يدوياً على حدة، فيستغرق الساري من شهر إلى ستة أشهر، ولازال الخيار الأول لفساتين الزفاف الهندية.
يبدأ سعره من نحو 10 آلاف روبية ويصل إلى مئات الآلاف إذا كان من نوع الكادوا بالزري الحقيقي.

3- حرير الباتولا:

من أصعب الأقمشة صنعاً في العالم، حيث يُنسج في باتان بغوجارات بتقنية “الإيكات المزدوج”:
تُصبغ خيوط السدى واللحمة كلها قبل النسج حسب النقش، فيكتمل الرسم عند التقائهما ويظهر متطابقاً على الوجهين.
لا تتقنه اليوم إلا عائلات قليلة، أشهرها عائلة سالفي.
يحتاج الساري من ستة أشهر إلى سنة، وتُستعمل فيه الأصباغ الطبيعية. كان الهولنديون يقدّمونه هدية لملوك إندونيسيا.

4- شالات الكاني والجاماوار الكشميرية:

تُصنع من الزغب الناعم تحت شعر ماعز التشانغثانغي في الهيمالايا.
في شال الكاني يُنسج النقش بعيدان خشبية صغيرة وفق مخطوط مرمّز يُسمّى “التعليم”.
الجاماوار ازدهر في العهد المغولي للشالات والأردية الملكية، قد يستغرق الشال سنة أو سنتين.
في القرن التاسع عشر اجتاحت موضة الشال الكشميري أوروبا، وكانت الإمبراطورة جوزفين من أشهر مقتنياته.

أصناف أخرى تستحق الذكر:

  • من الصين: ديباج تشوانغ، شيانغيون شا (الحرير الأسود اللامع الذي يُصبغ بعصارة نبات ثم بطين النهر)، هانغلوه، وحرير شاندونغ البري.
  • من الهند: حرير موغا الذهبي الطبيعي من آسام، بايثاني الذي لبسته عائلات المراثا، تشانديري الشفاف، وتانشوي الذي تقول الرواية إن معلماً صينياً علّم تقنيته لنسّاجين هنود في القرن التاسع عشر.

بين الأمس واليوم: كم تغيّر ثمن الحرير؟

في العصور القديمة كان الحرير الصيني يُباع بوزنه ذهباً حرفياً.
في مرسوم الأسعار الذي أصدره الإمبراطور ديوقلديانوس سنة 301م، حُدّد سعر رطل الحرير الخام الأبيض بنحو 12 ألف دينار، والمصبوغ بالأرجوان بنحو 150 ألف دينار.
وفي عهد تانغ كانت لفائف الحرير تُستعمل بدل العملة.
أما الهند فغمرت أسواق أوروبا بقطنها في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لكن أفخر أقمشتها – الموسلين والباتولا والشالات الكشميرية – ضاهت الحرير الصيني ثمناً.

اليوم لم تعد الأسعار الباهظة إلا للأقمشة التي ما زالت تُنسج يدوياً، لأن ثمنها تصنعه ساعات العمل الطويلة وندرة الحرفيين أكثر مما تصنعه قيمة الخيط نفسه.
الصين تتفوق في القيمة التاريخية للمادة الخام الملكية، والهند تكتسب قيمتها من التعقيد الحرفي المذهل ودمج المعادن النفيسة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى