أدب وفن ورياضةسورية والعالم
أخر الأخبار

تخيّل يا رعاك الله… جاحظ القرن العشرين وفصيح العرب

تخيّل يا رعاك الله… جاحظ القرن العشرين وفصيح العرب

تخيّل يا رعاك الله… جاحظ القرن العشرين وفصيح العرب

 

خاص الدنيا
تخيّل يا رعاك الله…
بهذه العبارة التي صارت أيقونة في الذاكرة الجمعية لجيل كامل من السوريين والعرب كان صوتٌ رخيم عميق يختتم فقراته فيسكن الآذان قبل أن تعرف العيون ملامح صاحبه، صوت لم يكن يحتاج إلى وجه ليصبح حاضراً في البيوت كل خميس عند الخامسة مساءً.

صوت الدكتور محمد توفيق البجيرمي الفلسطيني الذي صار جاحظ القرن العشرين، وفصيح العرب الذي جمع بين دقة الأكاديمي البريطاني وبلاغة الأديب العباسي وطرافة المذيع الشعبي.

أطرف حادثة في حياة البجيرمي لم تقع في استوديو تلفزيون أو قاعة محاضرات، بل فوق ظهر شاحنة عسكرية عراقية مكشوفة تشق صحراء الأردن والأنبار اللاهبة، كان طفلاً في العاشرة عام النكبة 1948 حين نُقل أهالي قرى مثلث الكرمل “إجزم وجبع وعين غزال وما حولها من الصرفند وعتليت وكفر لام” بعد مقاومة عنيفة في شاحنات الجيش العراقي المنسحب بلا غطاء يحميهم من الغبار والشمس.

كان يرويها ضاحكاً في جلساته بقهوة “شوشرة” في حي كفر سوسة الدمشقي:
“لماذا اختارني الكاتب الراحل ياسر المالح لتجسيد الجاحظ في مسلسل “البخلاء” عام 1969؟
لأن عينيّ جاحظتان… وجحوظهما ليس وراثياً، بل من كثرة ما دخل فيهما من غبار الصحراء يوم هُجّرنا”.

تلك النكتة التي تلخص مأساة شعب صارت جواز عبوره إلى الشاشة، فشكله الخارجي، ومخارج حروفه التي لا تخطئ، وفصاحته العربية المذهلة، جعلته المرشح الوحيد ليكون جاحظ القرن العشرين. وهكذا تحولت آثار النكبة على جسد طفل إلى قدر فني جعله يجسد أبلغ أدباء العربية.

كان من أشهر مذيعي سوريا دون أن يعرفه الناس في الشارع، فبرنامجه الأسطوري “طرائف من العالم” كان في جوهره صوتياً:
صوت يروي أغرب ما يحدث في العالم، بينما تمر الصور، فحفظ الناس عبارته عن ظهر قلب، وقلدوا نبرته، دون أن يعرفوا ملامح صاحبها.
كأن بيت بشار بن برد كُتب فيه: “والأذن تعشق قبل العين أحياناً”.

ولد محمد توفيق البجيرمي في 12 كانون الثاني/يناير 1938 في قرية إجزم قضاء حيفا، تلك القرية التي أنجبت نخبة مرموقة من المثقفين والمناضلين، أتم الصف الرابع الابتدائي هناك، وما زال يحفظ تفاصيل بيته ومدرسته.

في 1948، بعد مقاومة أهالي مثلث الكرمل للعصابات الصهيونية وانسحاب الجيش العراقي بقيادة اللواء عمر علي (انسحاب قال عنه نوري السعيد إنه لتنفيذ قرار التقسيم)، نُقل نحو خمسة آلاف فلسطيني بشاحنات عسكرية مكشوفة عبر صحراء الأردن والأنبار إلى معسكر الشعيبة عند البصرة، ثم توزعوا بين البصرة وبغداد والموصل.
رفضت حكومة نوري السعيد تسجيلهم لدى الأونروا معتبرة إياهم “ضيوفاً على العراق”.

في بغداد أتم دراسته وتفوق بشكل لافت، التحق بكلية الآداب في جامعة بغداد، وتخرج بمرتبة الشرف في الأدب الإنكليزي عام 1960، لم يكن مجرد طالب متفوق، بل “ألمعياً” فصيحاً الانكليزية فصاحته بالعربية إن لم يكن أفصح.

بين عامي 1962 و1964 قدم برنامجاً يومياً مدته عشر دقائق من تلفزيون بغداد بعنوان “نافذة على العالم”، بينما كان يدرّس اللغة الإنكليزية في مدارس بغداد.

في 1964 طُرد من العراق للاشتباه بأنه ناصري، فتوجه إلى دمشق التي صارت وطنه الثاني ونهاية رحلته.

في دمشق عمل في البداية مترجماً ورئيساً لتحرير الأخبار في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في ستينيات القرن الماضي، فقد كان يصيغ الأخبار بالانكليزية ببلاغة نادرة.

عام 1966 انطلق من التلفزيون العربي السوري برنامجه الأسبوعي “طرائف من العالم”:
عشرون دقيقة يلتقط فيها أغرب وأطرف الأخبار المصورة من صحف ومجلات العالم ويعلق عليها بصوته الآسر، توقف البرنامج بعد أربع سنوات، ثم عاد بقوة أكبر عام 1980 ليصبح طقساً مقدساً من طقوس الأسرة السورية:
كل خميس في تمام الخامسة مساءً، لمدة خمس وعشرين دقيقة، يجلس الملايين ليسمعوا ذلك الصوت يقول: “في اليابان… فتخيّل يا رعاك الله”.
استمر البرنامج أكثر من خمسة وعشرين عاماً متواصلة، حتى صار أحد رموز التلفزيون السوري وكلاسيكياته التي لا تُنسى.

لم يكن البجيرمي مجرد صوت إذاعي، انتدبته جامعة دمشق إلى بريطانيا ليُكمل دراساته العليا في جامعة شيفيلد، فنال الماجستير في الأدب الأفريقي عام 1974، ثم الدكتوراه في الأدب الإنكليزي عام 1980.

من 1980 حتى تقاعده عام 2000 كان الرقم الأصعب في قسم اللغة الإنكليزية بجامعة دمشق. درّس الشعر والنقد الأدبي والترجمة والأدب المقارن والأدب الأمريكي في جامعة دمشق وبقية الجامعات السورية، أشرف على رسائل ماجستير وناقش أربع أطروحات دكتوراه، وكان مرجعاً لا يُستغنى عنه. كما درّس في المعهد العالي الصناعي بدمشق.

ولم يفارقه التمثيل، بعد “الجاحظ” عام 1969 عاد بعد ستة وعشرين عاماً، بين 1995 و1997، ليجسد شخصية أندلسية فذة أخرى هي ابن عبد ربه صاحب “العقد الفريد” في ثلاثة مسلسلات كل منها من ثلاثين حلقة مأخوذة من الكتاب نفسه.

وفوق كل ذلك كان مترجماً غزيراً نقل أكثر من ثلاثة عشر كتاباً من الإنكليزية إلى العربية، وعمل لسنوات في مكتب الإعلام بساحة الشهبندر بدمشق يترجم ويحرر النشرة السياسية الشهرية.
كما عمل مترجماً لمكتب الأمم المتحدة في جنيف لفترات قصيرة سنوياً، ومترجماً فورياً في مناسبات عدة.

في يوم الجمعة 27 كانون الأول 2013 رحل الدكتور محمد توفيق البجيرمي في دمشق عن عمر خمسة وسبعين عاماً، فلسطينياً سورياً حتى النفس الأخير.

رحل الجاحظ وبقيت جملته، تحولت عبارته “تخيّل يا رعاك الله” من خاتمة لفقرة تلفزيونية إلى مشروع لإحياء ذكراه، فقد أطلقت شركة جوغيكس الأردنية موقعاً وتطبيقاً وصفحة باسم “تخيّل” تكريماً له، كي يبقى صوته حياً في فضاء الإنترنت الذي لم يعرفه.

كان البجيرمي دليلاً حياً على أن اللغة ليست تخصصاً بل هوية، وأن المنفى قد يسلب البيت لكنه لا يسلب الفصاحة، رجل جمع بين دقة الأكاديمي البريطاني وبلاغة الأديب العباسي وطرافة المذيع الشعبي، وظل حتى آخر أيامه يهمس في آذاننا بتلك العبارة التي تلخص فلسفته كلها في الحياة:

فتخيّل يا رعاك الله…

زر الذهاب إلى الأعلى