صديقي المتشائم وأنا والكلب المتفائل
صديقي المتشائم وأنا والكلب المتفائل

صديقي المتشائم وأنا والكلب المتفائل .

صديقي المتشائم ، وأنا ، والكلب المتفائل .
د.نزار العاني
صديقي موسوعة معرفية عريضة تُطل على الإهتمام السياسي وتنهل حضورها من التشاؤم والسوداوية ، وقد تلبّستني العدوى وأصابتني وصرت مثله بعد أن صافحته .
البارحة ، في لقائنا الدوري ، نَعَى إليَّ الأمة العربية وأعلن منفرداً عن وفاتها ، ومشينا وراء نعشها نحن الإثنَيْن صامِتَيْن وودعناها بقليل من التطبيل والتزمير ، ووحده كلبه الضخم الأسود ينبح ويحتج على موقفنا الثنائي الإنهزامي اليائس ، وكادت الأمة تنهض من موتها لتعانق الكلب الوفي ، وتعود إلى نعشها المصنوع من خشب البلادة المُستورَد. حين نبح الكلب عرفت من أسنانه وأنيابه أنه مواطن صالح ومطيع مثلي للإعلانات ويستخدم معجون الأسنان الذي يوصي به كل أطباء الأسنان في العالم ، وفي إسرائيل بخاصّة : “سنسودين” !!
قال لي صديقي مخاتلاً وموارباً ومناكِفاً :
ثلاثةُ كِبار ، قومي سوري (أ) ، وشيوعي (أ.س.أ) ، وبعثي (س.ع) ، وفي دائرة المصنّفات السياسية لا الفنّية فإن الثلاثة يساريين وعلمانيين ، وهم ثلاث حلقات أولمبية من الثقافة العنيدة الصلبة والمقاومة للزَفَر والصدأ والشحّار ولا يلصق بتيفال سطوحهم وشخوصهم الدولار ، ولكن لسببٍ لا أدريه ، أو أدريه وأخفيه ، يأتي آية الله التبريزي متأرجحاً في منطاده المُشحّر بلون الليل الدامس ، ويهبط المنطاد في الكعبة الأمويّة البيضاء ، وإذا الثلاثة معاً ، مثل كُشتبانات لاعب الخفّة الذي كان يصطاد المغفلين على رصيف مقهى الهافانا أيام زمان في دمشق ، يتبادلون المواقع بوحي خفّة الأصابع التبريزيّة ( فيختلط القومي بالشيوعي بالبعثي) وينطقون بثلاث قصائد ترحيب عصماء بالزائر القادم من السماء .
نبح الكلب حين سمع القصة ، فاعتدل محدثي خائفاً وتلفّت يمنة ويسرة ، ودون شعور مني حدقت أنا أيضاً بأسفل مقعدي لأتأكد من أن أحداً لم يسمعنا ، لأن اللعب مع آيات الله مسألة تحتاج إلى حذر وبعد نظر . هكذا نحن العرب ، فكرنا ومواقفنا وشعرنا في مهب رياح النفعيّة !
وتابع صديقي الموسوعة هامساً كي لايسمعه الكلب :
حين أعلن روجيه غارودي إسلامه وصار إسمه “رجاء” ، وطار عقله من موسكو وهبط في مكة مُزمزماً بماء القداسة ، حيث خرجت لاستقباله قبائل جرهم وقريش وخزاعة وكنانة وقالوا والرايات الخضراء ترفرف في أيديهم ، أنت الصحابي الكبير ومع العشرة المُبشرين بالجنة .
أجابهم غارودي ودموع الفرح تترقرق على خدّيه : جئتكم مسلماً وفي يميني “الكتاب المقدس” بتوراته وأناجيله ، وفي يساري “رأس المال” لماركس ، فانتفضت جرهم ، وعبست قريش ، وغضبت خزاعة ، واضطربت كنانة ، وشعر غارودي بالخذلان وعاد من ديار الجهاد إلى ديار الكفر في باريس وفي نفسه غصّة ، وفي روحه عصّة ، وأصابت قصة إسلامه جَرْصة .
تعرفون أن سَمَع الكلب خفيف ، ولذا فقد سمع الهمس فعوى مزمجراً، وظهرت نواجذه وعبقت رائحة “سنسودين” من شدقيه ، وفهمت أن كلب صديقي كما يبدو حانقاً من قصة إسلام “رجاء” ، إذ إن الكلب مايزال وفياً لذكرى الشهم المتحدّر من السلالة الكلبية نفسها وهو ابن عمّه الذي كان الطبيب الروسي “بافلوف” يجري عليه تجاربه وهو يستكمل نظرية ” المُنعكس الشَّرطي ” حول رائحة اللحم المقترنة بقرع الجرس وسيلان لعاب الكلب لسماع الجرس .
لُعاب غارودي لم يتدفق حين سمع أذان بلال الحَبَشي ومارافقه من رنين تدفقات مالية محترمة ، إذ أن صدى أجراس مسيحيته بقيت رهن خيالاته الفلسفية ، وظل مُنعكس غارودي الشَّرْطي الإنساني مرتبِطاً بمعنى وجود الإنسان وجوهره أولاً وأخيراً ، وليس لدين ، أو سيميدين ، أو سنسودين أي علاقة بقناعات وعقائد ومواضع إيمان البشر .
لقد كان غارودي وفياً لعقله مثلما كان كلب صديقي وفياً لغريزته ، وشتّان ما بين العقل والغريزة .
هكذا هم العرب على مرّ التاريخ تختلط عندهم تشوّفات العقل بنزوات الغريزة .
ذهب صاحبي ليحضر لي قهوتي السوداء وتركني وحيداً مع الكلب الذي اقترب مني وقال :
إسمع ، أنا كلب وابن كلب ، مع ذلك أنا متفائل أكثر من صاحبك ومنك .
أنا بالأصل بالأصل شاعر ولست حيواناً كما تظن ويظن صاحبك السوري.
هذا العواء الذي سمعته مني وأنت تمشي على مقربة من صاحبك في جنازة الوضع المأساوي السوري في حلب وإدلب هو قصائد وطنية .
العواء الوطني المتقطع والسريع قصيدة نثر .
العواء الوطني المديد والمنتظم قصيدة تقليدية . نَبْحَة واحدة تعني بلغتنا الكَلْبيّة النشيد الثوري الملهم ، نَبْحَة مقطوعة مما قبل ومما بعد ، هي المارسيليز الأممي السوري الجديد.
عاد صاحبي وجلس قبالتي والكلب بيننا ، نظر الكلب إلينا بإشفاق وتابع :
تعرفون قصي ابن كلاب ، هو جدي وجدكم ويشهد التاريخ على إشراقة مجده ، وهاهو ذكره يملأ الصفحات بعد أكثر من 1500 سنة على سطوع نجمه الذي لا ولن يخبو ، شاء من شاء وأبى من أبى ، فكفاكما شؤما وتفاءلا بالخير كي تعثران عليه .
تنحنح كلب صاحبي وحرك ذيله فخوراً وأقعى (وحكى بدري) :
هل أذكركم بسجلات الشرف للملك كُلَيب ابن ربيعة ولإبنه الجرُو ابن كليب ولأخيه الزير سالم ، كُليب ، تصغير كلب ، وتسبب في حرب البسوس الطاحنة إلى أن قتله جسّاس وهو خال أولاده .
يا أخوان ،حرب البسوس القديمة وانتهت ، وستنتهي البسوس السورية الحديثة ويعود ضرع ناقتها إلى سابق عهده ويدرّ لبناً غير ممتزج بالدماء .
صدقاني .
أنا كلب وأشم الأحداث منذ ألف سنة وإلى الآن وغريزة الشم عندي لاتخطىء .
افرحا لنصر سورية على كليبها وجروها وجسّاسها ولو اقتضى الأمر أن تقوم ناقة البسوس من موتها !
ولا تروحا لبعيد ، قال كلب صاحبي واستطرد ، خالتي الكلبة “لايكا” ما غيرها ، بعثها الروس إلى الفضاء وعادت سالمة ، ولن تكون سورية عند الروس أقل قدراً ومحبة من تقديرهم ومحبتهم لخالتي “لايكا” ، وعلى فكرة ، معنى “لايكا” هو النبّاحة ، وأنا أنبح على خطاها ، فاسبشرا خيراً واشربا قهوتكما السوداء على رواق ، وسينجلي الليل مهما طال كما قال امرؤ القيس .
نظر صاحبي إلي ، ونظرت إليه ، وبكينا معا لأن الله سوّانا بشراً نتحارب ونحزن ونتألم وننقهر ونتأسّى ونتيتم وننقبر ونموت ، وليته تركنا كلاباً تعرف كيف ولماذا تنبح فرحة وتهزّ ذيولها من الزهو .
الكويت 7 أيار 2016






