أدب وفن ورياضة
أخر الأخبار

بعض الأصدقاء يعضون

بعض الأصدقاء يعضون

بعض الأصدقاء يعضون، أبتسم ، فيعضني أحدهم !

د. نزار العاني
د.نزار العاني
عشرون سنة من الصحبة والرفقة والأخوة والتي انتهت بميثاق صداقة باقية على رغم رحيله عنّا ، وبقائه في خاطري ووجداني وذاكرتي ، يقص على مسامعي كل يوم فصولاً في السياسة والتاريخ والأحداث ، ويقطع القص حين يروي لي الطرفة وراء الأخرى ، وهو في الحالتين متوقد الذكاء ، وأنا جشع في طلب المزيد !!
إنه الذي لا صنوَ له : خالد قطمة .
البارحة كنت أقرأ في كتابه “ويبقى الأسبوع 6 أيام” واستوقفتني الجملة التالية :
( أمنية : أن أبقى بعد الموت حياً في الذاكرة .ص102) !
فقررت أن ألبّي طلبه ، لأثبت له أنه مازال حياً في ذاكرتي وذاكرتنا .
خالد قطمة ، وليس من بين أصدقائه مَنْ نَعِمَ بجواره خلال العشرين سنة الأخيرة في حياته كما فعلت أنا . لذا ، أزعم إنني عرفته .
هو صحافي كبير وكاتب موهوب وشخصيته آسرة ، وبعد مَدْ “المازَوَات” على طاولة حياته ، هناك دائماً “طَبَق” رئيس هو الفكاهة والسخرية ، وإليكم بعض ما أضحكني من كتاباته الفريدة :
ـ أحياناً كنت أسمع صوت ديك في منتصف النهار فكنت أعرف أنه ” شَغَّال أوفر تايم ” .
ـ ليتكم مثلي ، تنامون باكراً ….. في الصباح !
ـ الأميركي جواز سفره مثل المعلقات العشر ، وجوازاتنا شهادة سوء سلوك .
ـ بفضل تعريب اللغة الطبية عرفت أن هناك سناً اسمه : “الضاحك” . والطريف في أمر “الضاحك” أنه يجاور “الناب” وكأن القدرة الإلهية شاءت تقريب المسافة بين الإبتسامة وبين العَضَّة .
ـ لقد وُلدتْ أذناي ، بعد ميلادي بعشرين عاماً …… حين سمعتُ السيدة ـ فيروز ـ تغني “راجعة” .
وعن الإسم الرباعي لحفيده ( عبد القادر بن محمدغياث الدين بن عبد القادر المشهور ) يكتب :
ـ من المستحيل حصوله على البطاقة المدنية لأن الكمبيوتر يعجز عن استيعاب اسم مكون من ثماني كلمات … فضلا عن أن طول الإسم يجعل من سابع المستحيلات حصوله على شهادة السواقة …..
ولكن ابنتنا أصرت ، ووافقها “أبو عبد القادر”راضياً وسعيداً ومشفقاً على ابنه من المصاعب التي تجعل اسمه بطول سور الصين.
ـ أمام عيني عصفور على نافذة الجيران . يزقزق كثيراً .لعله الرئيس ، ولكن الرؤساء لا يزقزقون .
إنهم يأكلون زقزقة العصافير الأخرى . مالنا والرؤساء والملوك ؟

ـ البحر كان صديق غيري، فرغم وجود المسبح الجامعي ، فلا أذكر أنني زرته سوى مرة وحيدة ، حين اضطررت لتقديم امتحان ” السباحة” كشرط للتخرج ، ولو لم يدفعني أحد الزملاء لكنت حتى اليوم أنتظر “الشهادة” .

ـ يلذ لي أن أقرأ اليافطات … من هذه اليافطات :
” الإلتزام بالمرور واجب ديني وقومي ” . كيف رَكِبَتْ معكم . الله أعلم .

ـ “قيس” هو أعظم العشاق في ذهن العرب !! ولكن بلا قيس بلا ليلى ، بعد ذلك القيس الياباني الذي اختار مع ولديه وزوجته القفز من الطابق العاشر في فندق بطوكيو ، لأن الزوجة الأم مريضة ولا أمل بشفائها !! ترى لو كان قيس وليلى من الأحياء هل كانا سيقفزان ؟؟ ربما ، ولكن من فوق الخيمة ، وبالبراشوت كمان !!

ـ نعود إلى المسؤولين العرب .
أفديهم بعمري ، ولكن بعد الممات ، واستحلفهم بكل عزيزٍ عليهم وغالٍ ، من البرنيطة إلى العقال ، وأقبل وجناتهم الزرقاء والصفراء أن يشرحوا لي سر هذا الحبور الذي يملأ وجوههم كلما التقوا ولو في جنازة !

ـ أحب البرامج إلى الشعب هو ذاك الذي يُذاع بعد إغلاق …. الإذاعة !

ـ عزيزي سمير عطالله : لا تستبشر خيراً كثيراً لأننا نعيش في عصر معظم مفكريه يكتبون من خارج أوطانهم .
هذا “مفكر فلسطيني مقيم في لندن” .. والآخر “مفكر عراقي مقيم في أمستردام” .. والثالث كاتب .. في نواكشوط (العمى من أين جاءت نواكشوط علينا) .
ـ في أمريكا ، وخلال العام الماضي سجلوا 150 ألف براءة اختراع .
نحن سجلنا اعتقال أكثر من 150 مليون عربي .
هل فهمت الآن لماذا أميركا هي أميركا ولماذا العرب هم العرب ؟
وهل تدرك أنه ما لم يصبح عدد براءات الإختراع العربية موازياً لعدد كتب ” الشيف رمزي ” ؟؟!! …. فلا أمل لنا بحياة أفضل وبمستقبل أجمل إلا في العالم الآخر بعون الله .
هذه الجذاذات من كتاب واحد ، هو المذكور آنفا ، ولو شئت الخوض في كتبه الأخرى لما انتهيت .
وإذا كانت جملته المرحة إحدى مزاياه ، ففي الكتابة السياسية لا يُجارى .
وهو قارئ كبير للمستقبل ، وأكاد ألمس في بعض مقالاته ما يشبه النبوءة بما سيحدث للعرب ، ومن ذلك ما كتب ومنذ زمن مبكر 8/1/1988 :
( الغضبُ الساطعُ آتٍ ؟؟ أبداً ، لن يأتي هذا الغضب ، فقد سقطنا في فخ النخاسين وعاد مصيرنا ليكتب وفق مايشتهي القَتلة والفريسيون والمشوهون ، وسوف نعرف مستقبل هذه الأمة وهذه الأرض حين يُسْدَل الستار على يالطا الجديدة ، ويُعاد تقسيم الذبيحة العربية على الجزارين ، فلا يبقى لنا من جلودنا غير شعر الجلد!! ص 121).
أبو نضال ، أيها الصديق النادر ، أعترف إنني تعلمت منك الكثير ، وأول ماتعلمت ، وآخر ماتعلمت منك ، سَجيّة الوفاء لأصدقائك وعائلتك وقيمك ووطنك ، ولا أنسى أنك جئت من الكويت إلى دمشق لتقديم واجب العزاء برحيل صديقك الغالي نزار قباني ، وسحبتني معك لأجفف دموعك كلما انهمرت على خدّيك . مع ذلك ، وأنا الحزين على أحوال وطنك وأمتك وتاريخها ، فقد أضحكتني وأنت غائب ، كما كنت تضحكني وأنت حَيْ .. حَيْ .
الكويت 19/10/2014
زر الذهاب إلى الأعلى