أدب وفن ورياضة
أخر الأخبار
أديب وشاعر انتهت حياته في مستشفى الأمراض العقلية
أديب وشاعر انتهت حياته في مستشفى الأمراض العقلية
أديب وشاعر انتهت حياته في مستشفى الأمراض العقلية
خاص الدنيا
في أيامه الأخيرة لم يكن المشهد يليق بشاعرٍ ظلّ يقاتل الدنيا بقلمه:
شاعر ومسرحي وممثل يُودع في مستشفى الأمراض العقلية بمدينة دمنهور، ثم يرحل عن الدنيا ولم يتجاوز السادسة والأربعين.
هل كان نجيب سرور “مجنوناً” كما ردد خصومه وبعض الروايات المتداولة؟
أم كان مثقفاً حاد اللسان، منهكاً، حاصرته الخيبات، والفقر، والخصومات، والرقابة، والعزلة، حتى انهار تحت ثقل ما لا يحتمله إنسان؟
لا ينبغي تحويل سيرته إلى محكمة تصدر حكماً نهائياً، فالثابت أن سرور عاش حياةً شديدة الاضطراب، وأن دخوله مستشفى الأمراض العقلية صار في ذاكرة الثقافية المصرية رمزاً مؤلماً لعلاقة السلطة بالمثقف المتمرّد، إذ تذهب مصادر وشهادات عديدة إلى أنه أُودع المستشفى أكثر من مرة في سياق تضييق سياسي وأمني، لكن من الإنصاف أن ننظر أيضاً لأزماته النفسية والمعيشية الحادة دون أن نختزل الرجل ونحكم عليه من خلال تشخيص أو شائعة، فقد كان نجيب سرور في النهاية مثل إحدى شخصياته المسرحية:
بطلٌ تراجيدي يصرخ في وجه العالم، بينما العالم يردّ عليه بالصمت أو بالعزل.
وُلد محمد نجيب محمد هجرس، المعروف باسم نجيب سرور، في الأول من يونيو/حزيران 1932، في قرية إخطاب التابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية.
وكان ابن بيئة ريفية فقيرة، عرفت قسوة الإقطاع وتفاوت السلطة بين كبار الملاك والفلاحين، قبل أن تصبح هذه التجربة مادة مركزية في شعره ومسرحه.
لم تكن القرية عنده مجرد مكان ميلاد، بل كانت جرحاً معرفياً مبكراً، فقد رأى الفلاحين يعملون في الأرض ولا يملكون منها إلا التعب ورأى كيف يستطيع العمدة أو المالك الكبير أن يتحكم في أرزاق الناس وهيبتهم.
من هذه الذاكرة خرجت قصيدته الشهيرة “الحذاء”، التي استعاد فيها واقعة إهانة والده على يد عمدة القرية.
لم يكن الحذاء في القصيدة شيئاً عابراً، بل تحول إلى رمز للسلطة التي تدوس الإنسان البسيط، وللإذلال الذي لا ينساه الطفل حين يكبر شاعراً.
حين كتب سرور عن الفلاح، لم يكتب من وراء مكتب مريح أو من شرفة ثقافية مرتفعة، بل كان يخرج ما في داخله من ذاكرة الخوف والغضب والمهانة.
التحق نجيب سرور بكلية الحقوق لكنه لم يكمل طريقه فيها، فقد تركها قبل التخرج بقليل واختار الالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية حيث تخرج عام 1956.
كان ذلك القرار في ظاهره انتقالاً من القانون إلى الفن، لكنه في جوهره انتقال من محكمة الدولة إلى محكمة المسرح.
آمن سرور بأن المسرح ليس تسليةً، بل أداة لكشف الحقيقة.
كان يرى أن الممثل قادر على الوصول إلى الناس بصورة أسرع وأعمق من الخطيب أو الكاتب المنعزل.
عُرف عنه، أنه لم يكن يلقي قصائده إلقاءً عادياً بل كان يمثّلها، فيغيّر صوته، ويمثل الحركة وتعابير الوجه محولاً القصيدة الى مشهد كامل، مما جعل قصائده تبدو كأنها تريد أن تقفز من الورق إلى الواقع.
مثل كثير من أبناء جيله، استقبل سرور ثورة يوليو/تموز 1952 بحماس، ورأى فيها وعداً بإنهاء الإقطاع والاستعمار والظلم الاجتماعي، وهي القضايا التي حملها ابن إخطاب في روحه منذ الصغر.
لكن الحماس اصطدم بالواقع حين رأى سرور مكاسب الإصلاح الاجتماعي، والقيود السياسية، و تحوّل الدولة الثورية إلى سلطة لا تتسامح مع النقد والمعارضة، فكانت هه المسافة تتزايد بين الحلم والواقع مما أضاف ألماً جديداً لجملة آلامه، لأنه صدّق الثورة حين قالت للفلاح: الأرض والكرامة، ثم راح يسألها، بلا حذر: أين الحرية؟
وكان السؤال، في زمنه، مكلفاً.
سافر نجيب سرور في أواخر الخمسينيات ضمن بعثة حكومية إلى الاتحاد السوفياتي لدراسة الإخراج المسرحي، وهناك اتسعت علاقته بالفكر الماركسي وبالطلاب والمنفيين العرب، وبدأ في التعبير بصورة أوضح عن مواقفه السياسية المعارضة.
لكن البعثة التي كان يفترض أن تكون بوابة إلى مستقبل فني واعد، تحولت إلى بداية منفى طويل، إذ سُحبت منه بعثته في سياق خلافات سياسية وتقارير أمنية وصراعات أيديولوجية، فتنقل بين موسكو وبودابست وعاش سنوات من القلق المادي والنفسي، وهو يكتب الشعر والدراسات والنصوص المسرحية.
في تلك السنوات كتب نصوصاً وقصائد سيظهر أثرها لاحقاً، ومنها أعمال جُمعت تحت عنوان “عن الوطن والمنفى”، وإن لم تنشر كاملة في حياته.
كما كتب دراسة نقدية مبكرة ومهمة بعنوان “رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ”، تناول فيها عالم محفوظ بجدية ناقد شاب يرى في الرواية المصرية وثيقة اجتماعية وفنية.
ومن المفارقات أن سرور، وهو اليساري العابر للحدود، لم يكن يستطيع أن يتخلص من حنينه الريفي المصري، إذ لم تكن موسكو ولا بودابست بديلين عن رائحة الطين في إخطاب لأنه كان يحمل قريته في حقائبه، ويحمل معها غضبه القديم.
عاد سرور إلى مصر عام 1964، وفي جعبته تجربة ثقافية وسياسية قاسية.
عاد شاعراً ومسرحياً أكثر نضجاً، لكنه عاد أيضاً رجلاً مطارداً بالشكوك والذكريات الثقيلة.
في السنوات التالية، ترك بصمة لا يمكن تجاهلها في المسرح المصري والعربي.
كتب وأبدع في التأليف والإخراج والتمثيل والنقد، ومن أبرز أعماله المسرحية:
• “ياسين وبهية”
• “يا بهية وخبريني”
• “آلو يا مصر”
• “ميرامار”، عن رواية نجيب محفوظ
• “الكلمات المتقاطعة”
• “الحكم قبل المداولة”
• “ملك الشحاتين”
• “الذباب الأزرق”
• “منين أجيب ناس”
• “أفكار جنونية في دفتر هملت”
وفي “ياسين وبهية”، استلهم الموال الشعبي الشهير، لكنه لم يقدمه باعتباره قصة عشق فقط، بل جعله دراما عن الفلاحين والإقطاع والمقاومة.
وهنا تظهر عبقريته: كان يأخذ الحكاية الشعبية التي يعرفها الناس، ثم يفتح داخلها باباً سياسياً واجتماعياً واسعاً.
لم يكن سرور يكتب “عن الشعب” بلهجة الواعظ، بل كان يحاول أن يجعل الشعب يتكلم بلغته ونكاته ومواله وغضبه.
بلغ الصدام بينه وبين السلطة مرحلة أكثر حدة بعد مسرحيته “الذباب الأزرق” سنة 1971، وهي مسرحية ذات طابع سياسي تناولت، في إطار الكوميديا السوداء، مأساة الفلسطينيين في أحداث أيلول الأسود بالأردن.
تعرّض العمل للمنع والتضييق، وتذكر مصادر عدة أن المسرحية أثارت اعتراضات سياسية واسعة، وأنها كانت نقطة تحول في تصاعد حصار سرور:
المنع، والتهميش، والفصل من العمل، وصعوبة النشر، وتضييق المجال العام من حوله.
كان الرجل قد اختار أن يكتب في مناطق لا تحب السلطة أن يقترب منها أحد:
القمع، والهزيمة، والنفاق الثقافي، والخذلان العربي، وانكسار المثقف.
لذلك لم يكن غريباً أن يصبح وجوده نفسه مشكلة بالنسبة إلى مؤسسات تفضّل الفنان الهادئ، أو المعارض القابل للترويض.
أما نجيب سرور، فلم يكن قابلاً للترويض. وكانت هذه فضيلته ومصيبته معاً.
لُقّب نجيب سرور أحياناً بـ”شاعر العقل”، لكن حياته تضعنا أمام مفارقة جارحة:
شاعر العقل نفسه تعرض لانهيارات نفسية وعصبية قاسية، وتراكمت عليه أزمات الفقر والعزلة والخصومات والخوف والمرض.
تتحدث روايات عن فصله من عمله في أكاديمية الفنون، وعن تدهور وضعه المادي حتى بلغ حدوداً شديدة القسوة.
وتذكر بعض الكتابات والشهادات أنه عاش إحساساً مؤلماً بالعجز عن إعالة أسرته، وهو ما عمّق توتره وانفعالاته.
من السهل جداً أن نضع كلمة “الجنون” فوق رأس رجل مختلف، ثم نغلق الملف، لكن سيرة سرور أعقد من ذلك، فقد كان حاد المزاج، سريع الانفعال، مفرطاً في الغضب، ومثخناً بالألمـ غير أن ذلك لا يلغي إبداعه، ولا يبرر استخدام المرض أو الاضطراب سلاحاً لإسكات صوته.
لقد كان نجيب سرور، في جانب منه، ضحية عالم لم يترك للمبدع الفقير والمشاكس مساحة آمنة كي ينهار فيها دون أن يُدان.
من أكثر أعمال نجيب سرور إثارة للجدل ديوان الرباعيات المعروف شعبياً باسم “كـ# أميات نجيب سرور”، والذي يشار إليه غالباً اختصاراً بـ”الأميات” تجنباً لذكر عنوانه كاملاً.
وهذا الديوان ليس كتاباً يمكن وضعه بهدوء على طاولة الضيوف ثم سؤال العمّة:
“ما رأيك في البناء الفني؟”.
إنه عمل خارج عن المألوف، مليء بالغضب والهجاء والسخرية القاسية واللغة الصادمة “التي نراها خادشة للحياء”، فقد كتبه سرور في أجواء الإحباط السياسي والاجتماعي، خصوصاً بعد هزيمة 1967، وفي ظل شعوره بأن كثيراً من الشعارات الكبيرة تحولت إلى ستار للنفاق.
ويمكن القول، بشيء من المرح الجاد، إن سرور في هذه الرباعيات لم يطرق باب الحياة الثقافية، بل دخل من النافذة، وكسر المزهرية، ثم سأل الحاضرين لماذا لا يتحدثون عن الحقيقة!
لكن القيمة الفنية للديوان ظلت موضع خلاف بين النقاد، فبعضهم رآه وثيقة غضب فريدة تكشف وجه زمن كامل، فيما رأى آخرون أنه أقل أعماله إحكاماً من الناحية الشعرية، وأقرب إلى الصراخ الاحتجاجي الناتج من الانهيار والمرارة.
والحكمان يمكن أن يلتقيا: فالعمل قد لا يكون الأكثر صفاءً في صناعته الفنية، لكنه بالتأكيد من أكثر نصوصه كشفاً عن جراحه وعن زمنه.
لم ينشر الديوان كاملاً في حياته، وانتشر جزء كبير منه عبر تسجيلات صوتية خاصة بصوته، قبل أن تتداول نصوص منه لاحقاً.
وقد أثار نشره على الإنترنت في التسعينيات جدلاً قانونياً وثقافياً، ولا سيما حين نشر ابنه شهدي سرور أجزاء منه.
إذا كان سرور قد صادم السلطة، فإنه لم يجامل الوسط الثقافي أيضاً. ففي “بروتوكولات حكماء ريش”، واجه عدداً من المثقفين والفنانين بلغة ساخرة وحادة، كاشفاً ما رآه تواطؤاً وانتهازية وتنافساً صغيراً داخل عالم يفترض أنه عالم الفكر والحرية.
لم يكن يحب فكرة “المثقف المهذّب” الذي يعترض في الندوات ثم يصمت أمام القمع.
كان يكره الوجوه التي تتحدث عن الثورة ثم تبحث عن مقعد قريب من السلطة، لذلك دفع ثمن صراحته عزلةً إضافية، فخصومه لم يكونوا في أجهزة الدولة وحدها، بل في بعض المقاهي والمكاتب الثقافية أيضاً.
كان سرور يعرف أن الهجوم على السلطة خطر، لكنه اكتشف أن الهجوم على الامتيازات الثقافية خطر آخر لا يقل قسوة.
رحل نجيب سرور في دمنهور في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1978.
مات مبكراً، لكنه ترك وراءه سيرة أكبر من عمره القصير.
سيرة شاعر ريفي، ومسرحي طليعي، وممثل موهوب، وناقد لامع، ومنفي سياسي، ومثقف عاش في خصومة دائمة مع القهر والزيف.
لم يكن قديساً، كان إنساناً متناقضاً، متعباً، عنيف العبارة أحياناً، وصعب المراس، ومفتوحاً على جراحه إلى حد مؤلم، لكن لا يجوز كذلك اختزاله في صورة الرجل “المجنون” أو في ديوان صادم أو في نهايته داخل المستشفى.
نجيب سرور صاحب مشروع ثقافي واسع، أراد مسرحاً شعبياً، وشعراً يواجه السلطة، ونقداً لا يصفق للأسماء الكبيرة، وفناً يعيد الفلاح والعامل والمهمش إلى مركز الحكاية.
لقد خسر معارك كثيرة، وربما خسر حياته في بعضها، لكنه لم يخسر صوته.
وذلك هو سرّ بقائه:
كلما عاد القمع، أو تزيّنت الأكاذيب بلغة رسمية، أو صمت المثقفون طويلاً، يعود نجيب سرور من قصائده ومسرحه، غاضباً، ساخراً، وممسكاً بالحذاء القديم بوصفه دليلاً على أن الإهانة لا تموت بسهولة.
حياة نجيب سرور تعلّمنا أن الموهبة لا تحمي صاحبها من القهر، وأن المثقف حين يختار الحقيقة قد يدفع ثمناً باهظاً.
لكنها تعلّمنا أيضاً أن الغضب، إن لم يجد سنداً إنسانياً ومؤسسياً، قد يلتهم صاحبه.
بالمقابل لا يجوز اختزال المبدع في اضطرابه أو أخطائه، فالأجدر قراءة إبداعه وسيرته معاً، بعين عادلة ترى البطولة والهشاشة في آن.
مصادر ومراجع
- الهيئة المصرية العامة للكتاب: الأعمال الكاملة لنجيب سرور، في ستة مجلدات، مراجعة وتحقيق وتقديم د. عصام الدين أبو العلا، 1997.
- نجيب سرور، التراجيديا الإنسانية، الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1967.
- نجيب سرور، لزوم ما يلزم، 1975
- نجيب سرور، بروتوكولات حكماء ريش، 1978
- نجيب سرور، رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ، صدرت في طبعات لاحقة عن دار الفكر الجديد ودار الفارابي.
- عصام الدين أبو العلا، مسرح نجيب سرور، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1989.
- محمد السيد عيد، التراث في مسرح نجيب سرور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990.
- برنامج “خارج النص”، الجزيرة، حلقة نجيب سرور، 24 أكتوبر/تشرين الأول 2021.
- عبير درويش، عابر على جسر، دار روافد، القاهرة، رواية تستلهم سيرة نجيب سرور، ويجب التعامل معها بوصفها عملاً تخييلياً لا مصدراً توثيقياً وحيداً.






