شاعر القرية الذي جعل العامية ذاكرةً وطنية
خاص الدنيا
ذات مساء، دخل عبد الرحمن الأبنودي استوديو بليغ حمدي ليكتب لعبد الحليم حافظ أغنية ولم يكن قد أتم كلماتها، جلسا يكتبان مقطعاً بعد مقطع:
يكتب الأبنودي كوبليه، ويلحّنه بليغ، حتى اكتملت “التوبة” واحدة من أشهر أغنيات العندليب.
في حكاية أخرى تكشف خفة ظله واعتداده بعمله، أبلغه بليغ أن أم كلثوم قد تغني له، لكن الأغنية المقترحة كانت “بالراحة يا حبيبي”، اعترض الأبنودي مازحاً:
أهذه أغنية تليق بأم كلثوم؟
ثم رفض أن تكون بداية تعاونهما بها، مفضّلاً أن يكتب لها نصاً يليق بمكانة الطرفين، فانتهى الأمر لحساسية بينهما، حيث تحولت هذه الحكاية لمثال على صراحة الأبنودي، و أن الشاعر لا يجوز أن يتعامل مع الكلمات كمادة يبيعها لمطرب، بل عملًا له قدره وكرامته.
كان ذلك هو “الخال”: ابن الصعيد الذي استطاع أن يجمع في شخصيته بين الحكاية الشعبية والوعي الحديث، وبين الألفة التي توحي بها لهجته والصلابة التي تظهر في مواقفه.
لم يصنع شهرته بتجميل العامية أو جعلها زينة للأغنية، بل وسّع مجالها، وأثبت أنها قادرة على حمل قصيدة طويلة، وشخصيات كاملة، وأسئلة اجتماعية وسياسية لا تقل شأنًا عما تحمله الفصحى.
ولد عبد الرحمن الأبنودي في قرية أبنود بمحافظة قنا في 11 نيسان/أبريل 1938، ونشأ في بيئة صعيدية ظلت حاضرة في مفرداته وصوره وإيقاع قصائده.
كان والده يعمل مأذوناً شرعياً، أما أمه فاطمة قنديل فصارت، في روايته عن حياته، إحدى منابع صوته الشعري، من طفولته جاء تعلقه بالسير والحكايات الشعبية، ولا سيما السيرة الهلالية التي سمعها من رواة الصعيد، قبل أن يعود إليها لاحقاً جامعاً لها من أفواه الشعراء والرواة.
في سنوات الدراسة، وجد الأبنودي في الشعر طريقاً للتعبير عن عالم يعرفه من الداخل:
الفلاحين، والعمال، والقرية، والفقر، والعلاقات الإنسانية الصغيرة التي تحمل في طياتها تاريخاً اجتماعياً كاملاً.
يُقال أن مدرساً شجعه على الكتابة بلهجة أهل قريته، فاختار العامية لا عجزاً عن الفصحى، بل بوصفها صلة مباشرة بالناس الذين أراد أن يكتب لهم وعنهم، حيث وصف نفسه بأنه شاعر يكتب بالعامية، مع اعتزاز واضح باللغة العربية الفصحى وثقافتها.
انتقل إلى القاهرة، حيث التقى بأمل دنقل، واحتكّ بمشهد ثقافي تتجاور فيه الصحافة والمقاهي والشعر والموسيقى، لم يكن طريقه إلى الاعتراف سهلاً فقد بدت لهجته الجنوبية غريبة على بعض الأوساط الفنية، لكنه وجد من فتح له باباً، من بينهم صلاح جاهين، الذي نشر له قصيدة مبكرةـ ثم بدأت كلماته تصل إلى الإذاعة وإلى أصوات المطربين، وكان من أبرز نجاحاته الأولى “تحت الشجر يا وهيبة” بصوت محمد رشدي.
لم يكن الأبنودي شاعر مناسبات فحسب، ولا كاتب أغانٍ يكتفي بتلبية طلبات الملحنين.
في شعره قصيدة اجتماعية تلتقط حياة الفلاح والعامل، وقصيدة سياسية تتعامل مع الهزيمة والأمل والسلطة، وأخرى حميمة تحفظ أصوات الأمهات والعمات والنساء العاديات.
وكان انتقاله بين هذه المجالات جزءاً من مشروع واحد، بأن يجعل الشعر قريباً من الحياة لا منفصلاً عنها.
تكشف “جوابات حراجي القط” هذا المشروع بوضوح، ففيها تُروى تجربة العامل المصري المرتبط بمشروع السد العالي عبر رسائل بين حراجي وزوجته “فاطنة”، لا يكتفي الشاعر بتسجيل حدث كبير، بل يراه من نافذة إنسان بسيط، يتغير عالمه مع العمل والآلة والبعد عن بيته.
أما “الأرض والعيال” فتضع الأرض والفقر والعائلة في قلب التجربة الشعرية، فيما تحمل أعمال مثل “أحمد سماعين” و”الموت على الأسفلت” اهتمامه بمصائر المهمّشين وبالناس الذين لا تمنحهم كتب التاريخ عادةً مساحة كافية.
وكانت علاقته بالسلطة مركبة، لا تختصرها أغنية وطنية أو قصيدة معارضة، فقد كتب أعمالاً وطنية، واعتُقل في الستينيات، كما اختلف مع أنور السادات على خلفية مواقفه من السياسة واتفاقية كامب ديفيد. ثم أيد ثورة 25 يناير وكتب قصيدة “الميدان”، قبل أن تتبدل مواقفه السياسية في مراحل لاحقة، وهو ما أثار جدلاً لدى بعض محبيه.
قراءة هذه التحولات لا تلغي قيمة شعره، لكنها تذكّر بأن الشاعر ابن زمنه، وأن صورته العامة ليست كتلة واحدة ثابتة.
من أطرف ما يُروى عن الأبنودي أن الرئيس حسني مبارك طلب لقاءه بعد سماع أغنية “مصر يا أول نور في الدنيا”، وحدد له موعداً في التاسعة صباحاً، بينما كان الأبنودي معتاداً أن يستيقظ في الحادية عشرة، لم يتخلّ الأبنودي عن عادته بسهولة، وحاول تغيير الموعد، لكن اللقاء انعقد في النهاية وامتد لساعات ولم يقتصر الحديث على الفن، بل تطرق إلى الحريات وإلى حدود ما تستطيع السلطة احتماله من ديمقراطية.
ومن طرائفه الفنية أن الأبنودي لم يكن يرى نفسه “مؤلف أغانٍ” بالمعنى المهني الضيق، رغم أن كبار المطربين غنوا كلماته، حيث كان يفصل، بين كتابة الأغنية التي تدرّ عليه دخلاً، ومشروعه الشعري الأوسع، مما يفسر جانباً من شخصيته:
شاعر عرف كيف يعيش من الأغنية، لكنه لم يسمح لها بأن تختصره.
وكانت حكاية أم كلثوم أكثر المواقف شهرةً في هذا الباب، فحين نقل بليغ حمدي رغبتها في غناء “بالراحة يا حبيبي”، خشي الأبنودي أن تكون بداية التعاون بنص لا يليق بمقامها أو بتطلعه هو، رفض الأغنية، لا لأن الغناء لأم كلثوم لا يعنيه، بل لأنه أراد نصاً خاصاً يليق بلقاء استثنائي، إلا أن موقفه فُهم بوصفه رفضاً لام كلثوم مما خلق جفوة فنية، هنا تظهر طرافة الأبنودي مقرونةً بحدّته: لم يكن يهادن، حتى حين يكون الطرف المقابل نجمة بحجم أم كلثوم.
أما مع عبد الحليم حافظ، فقد اجتمع اختلاف الطباع مع لحظة تاريخية فارقة، كتب له الأبنودي “عدى النهار” بعد نكسة 1967، فصارت الأغنية تعبيراً عن جرح جماعي وعن محاولة استعادة الأمل، لا مجرد أغنية حزينة، كما كتب له أيضاً “المسيح” و”أحلف بسماها وبترابها” و”صباح الخير يا سينا”. كانت شراكته مع حليم وبليغ حمدي من أهم محطات الأغنية الوطنية المصرية في تلك المرحلة، كما أتاحت للأبنودي أن ينقل لغته الجنوبية إلى جمهور عربي واسع.
في الدواوين والقصائد الطويلة، تتقدم أعمال مثل “الأرض والعيال”، و”جوابات حراجي القط”، و”أحمد سماعين”، و”وجوه على الشط”، و”الموت على الأسفلت”، و”الأحزان العادية”، أما في “السيرة الهلالية” فلم يكن مؤلفاً للحكاية، بل جامعاً وراوياً وموثقاً لتراث شفهي تناقلته أجيال من شعراء الصعيد، وقد أمضى سنوات في جمع رواياتها، في عمل يوازي بين البحث الثقافي والإبداع الأدبي.
أما في الأغنية، سنجد:
محمد رشدي: “تحت الشجر يا وهيبة” و”عدوية”.
مع عبد الحليم حافظ: “عدى النهار”، و”أنا كل ما أقول التوبة”، و”أحلف بسماها وبترابها”، و”المسيح”.
مع نجاة الصغيرة: “عيون القلب”، ومع شادية: “آه يا أسمراني اللون”.
مع صباح: “ساعات ساعات”، ومع محمد منير: “يونس” و”شجر الليمون” وأغانٍ أخرى، كما كتب لعدد من المطربين، وأسهم في أعمال سينمائية وتلفزيونية، من بينها “شيء من الخوف” و”البريء” ومسلسل “ذئاب الجبل”.
لا تكمن قوة هذه الأغاني في سهولة حفظها وحدها، بل في الطريقة التي تُبقي بها الكلام قريباً من أذن الناس من دون أن تحصره في المباشرة.
يكتب الأبنودي جملة تبدو مألوفة، ثم يحمّلها حنينًا أو قلقاً أو موقفاً من التاريخ، ولهذا بقيت بعض كلماته في الذاكرة حتى لدى أجيال لم تعرف زمن إنتاجها.
حصل الأبنودي على جائزة الدولة التقديرية عام 2001، وكان أول شاعر عامية مصري ينالها، كما نال جائزة محمود درويش للإبداع العربي عام 2014.
أقام في سنواته الأخيرة في الإسماعيلية، وظل قريباً من الكتابة ومن شؤون البلاد، إلى أن توفي في 21 أبريل 2015، بعد مضاعفات أعقبت جراحة في المخ.
لكن هذا لم يكن نهاية حضوره، إذ بقي في القصيدة التي تجعل العامل بطلاً، وفي الأغنية التي تسند شعباً مكسوراً، وفي السيرة التي حفظت أصوات الرواة من الضياع، كان الأبنودي شاعراً للعامية، لكنه لم يكن أسير اللهجة، جعلها أداة معرفة وذاكرة، وأثبت أن كلام القرية قادر على بلوغ المدينة والعالم من دون أن يفقد رائحته الأولى.






