المرأة والصحافة هل بينهما تشابه؟ محمود تيمور بك
المرأة والصحافة هل بينهما تشابه؟ محمود تيمور بك

المرأة والصحافة هل بينهما تشابه؟ محمود تيمور بك
خاص الدنيا
جال في خاطري هذا السؤال حينما وقفت مرة أمام بائع صحف غير جوال بسط على منصة متواضعة بضاعته من مختلف الجرائد والمجلات وكانت زاهية ألوانها ناصعة في ألوانها، بالرغم مما يعانيه العالم اليوم من أزمة في الورق، ونقص في مواد الطباعة فهي تجتذب أنظار العابرين، ولتتوقف الناس على اختلاف طبقاتهم، فيقصدونها أفراداً وزرافات، يجتلون مفائنها، ويتخيرون ما تهفو اليه أفئدتهم منها..
وقفت أتأملها فيمن وقف يتأمل، فاستمع الى البائع وقد انطلق في بلاغة مستفيضة وحماسة متأججة يعدد مآثرها ويكشف محاسنها ما ظهر منها وما استتر.. فسرح بي الفكر الى الماضي السحيق، فتراءى لي «سوق العواني» ينص بالجواري الفاتنات، يقفن على المنصة يعرضن مفاتنهن على الراغبين، وعن كثب منهن نخاس لبق جهوري الصوت راح يستثير الصبوة في القلوب بأوصافه الخلابة الساحرة..
وتركت بائع الصحف، وقد حملت معي معتبطاً رزمة من نخبة المجلات، تأبطتها في رفق ورعاية وأنا أهمس: ستكون موضع حفاوتي والتفاتي حين أءوب الى داري، أقضي معها وقتاً بهيجاً بين أقداح الشاي اللذيذ ولفائف التبغ العطرة، نتنادر ونسمر هازلين مرة وجادين أخرى..
تمثل لي هذا المنظر غير مرة، فأوحى الي ان أسأل نفسي:
أثمة مشابهة حقاً بين المرأة والصحافة؟
الحق ان بين المرأة والصحافة خصائص عامة، ونظائر خاصة تجمع بينهما..
فاما الخصائص العامة فمنها: «الثوب» وهو في نظري أقواها.
فالمرأة أكبر مما تكون عناية بزينتها وحرصاً على أناقتها، لأنها بهذه الزينة تجتذب الانظار، وبتلك الاناقة تخلب القلوب.
وكذلك الصحافة، يجب عليها ان تعنى بالمظهر.
طوعاً لرغبة القاريء الذي يستويه البريق، المرأة تسحر بطرفها الكحيل، وثغرها القرمزي، وخدها الوردي، وبشرتها البيضاء المتروبة بالعطر والدهان، الى ما تهتم به من ملبس أنيق، وزي رشيق.
والصحيفة تستلفت الانظار باتخاذ الالوان، وابتكار الاوضاع واستخدام الصور، فهي تتفنن في رسم العنوانات واعداد المقالات، مجتهدة فوق ذلك ان يكون لاورقها رقة الملمس واشراقة المظهر.
وهذا «التواليت» درجات تتفاوت، فيه البالغ في الترف، ومنه الرخيص.
وواضح انه لا يكفي (التواليت) وحده ليكمل المرأة الجميلة، بل لا بد مما يسمونه «السكس أبيل» اي «الجاذبية الشخصية» ذلك العامل الخطير في اقتناص الموج وكذلك لا بد من هذا العامل في الصحافة، ويتمثل فيما يحسه القاريء من روح الصحيفة التي يؤثرها، فكلما كانت الجاذبية قوية كانت شخصية الصحيفة أقدر على بلوغ ما تريد من أهون سبيل..
ومن تلك الخصائص العامة ما نجمله في كلمة واحدة، هي: الثرثرة! فالمرأة – كما سمعنا – في ميدان الكلام قصب السبق، والصحافة – كما نعلم – بضاعتها القول، على الكلام تقوم، وبالكلام تعيش.. وأنت مضطر حين تتناول صحيفة ان تستمع، وان تستمع الى النهاية.
وهكذا الشأن مع المرأة، فاذا جلست اليها اضطررت الى ان تستمع، وان تستمع الى النهاية، ان كانت هناك نهاية.. كذلك يقولون، والعهدة على الرواة!
ومما يذكر من الخصائص: «العاطفة» فبين المرأة والصحافة شبه كبير من هذه الناحية.
فالعاطفة عنوان المرأة اوهي مصدر الحنان والطمأنينة، والصحافة ترى فيها الانسانية جمعاء مورد العطف والبر والعون، فهي متنفس الشاكي، ومفزع اللاجي، وسماء الداعي، ومهبط الآمال.
هذا ولا ننسى ان العاطفة في المرأة والصحافة لا تنتج دائما الحنان والحب بل انها قد تكون مجلب غم وشقاء.
فكم جفت عاطفة امرأة على الرجال، وكم شقيت الانسانية على يد ضرب من الصحف لا يخطئه المؤرخون.
ولو شئنا ان نلخص تلك الخصائص العامة لاستوعبناها في ثلاث جمل: مظهر فتان، ولسان قوال، وقلب تضطرم فيه العواطف متباينة..
اشباه ونظائر
والآن نخلص من التعميم الى التخصيص توضيحاً لما أسلفناه، فنذكر النظائر بين الصحف والنساء: هناك الصحيفة التي اذا لازمتها، خيل اليك انك تجالس سيدة نبيلة ذات حسب ومجد تفوه بالكلمة بعد روية وتدبر، وتتحدث في اباء للصفائر ورفع، وتسمعك الشريف السامي من الافكار والملاحظات.. وهذه الصحيفة كشبيهتها السيدة اناظرها في زينتها فانها تحرص على الوقار والاحتشام في أساليب التجميل. فأنت أمامها خاشع البصر، فياض القلب بالمحبة الممزوجة بالاجلال والتقدير.
وبين الصحف صحيفة ان طالعتك فانما توحي اليك على الفور صورة الغانية التي خلقت للعب بالعقول وتضليل الافئدة بزخرفها البراق.
فأنت تجالسها لحظة تستمتع بظرفها وخلاقتها، ولكنها متعة مرهونة بوقتها في الفترة بعد الفترة، ليست عميقة الاتصال بالفكر، ولا باقية الاثر في اطواء النفس.. وثمة صحيفة أخرى اذا قرأتها أخطرت ببالك بنت البلد الصحابية، ذات الملاحة والعصابية والطلاء الرخيص من «حسن يوسف»، الملفقة في ثوبها المبرقش بالترتر اللماع، التي تخضع اللادن وتفرقع به بين أشداقها ضاحكة لاهية غير مبالية بشيء. تلك هي التي تسمعك – رضيت او كرهت – ألواناً من الغمز واللمز المكدوف، فان أعياها المعنى والبيان آخر الشوط أخرجت لك لسانها ودقت بيديها وتلوت بخصرها في عبث وتخلع..
ولا ننسى الصحيفة التي تماثل السيدة الورعة التقية التي لا تبرح سجادتها، ولا تغفل عن مسبحتها؛ ولا تقعد في العام بعد العام، عن حج بيت الله الحرام، فان مدت اليك بالسلام بدأ أخفتها في طرف خمارها – حرصا على ابقاء الوضوء!..
وما دمنا في صدد التمثيل لانواع الصحف فلنتعرض للصحيفة التي تشبه السيدة العاقر.
فهذه تجهد جهدها في اصلاح علقها، ولكنها على الرغم من كل شيء تظل وحيدة بمعزل عن الحياة، لا ولد ولا حفيد ولا أنيس!
واني وان كنت قد أتيت بأمثلة كافية من الصحف والنساء، فقد اعياني ان اجد في الصحافة نظيرة العذراء الخجول، تلك التي اذا كلمتك غضت من بصرها وتلجلجت في حديثها، واذا خطت امامك تعثرت في ثوبها واضطربت في مشيتها، وان تحظى في مجلسها بغير الهدوء والسكون.. فان هذا النوع من الصحف لم يوجد ولن يوجد ابدا!…
وليس وزر ذلك على الصحافة، ولكن على القراء الذين لا يروقهم هذا الضرب.
فان حاول ان يظهر لم يلبث ان يزول بعد قليل.
الصحافة أولا وأخيرا كالمرأة: نحبها، لانها ريحانة الحياة! ونقواها، لانها مبعث للقلق، ومنبع للعناء!
محمود تيمور








