أدب وفن ورياضة
أخر الأخبار

حين صار الخوف على القرش مادةً للضحك

حين صار الخوف على القرش مادةً للضحك

حين صار الخوف على القرش مادةً للضحك

خاص الدنيا
لعل أطرف ما في قصة فهد كعيكاتي أن الشخصية التي التصقت به “أبو فهمي”، لم تبدأ بوصفها شخصيةً صُممت خصيصًا له، بل انتقلت إليه بعد اعتذار صاحبها الأول ففي عام 1948، ومع تفشّي الكوليرا في سوريا، طُلب من الفنانين تقديم برنامج إذاعي فكاهي يساهم في توعية الناس، فجاء برنامج “إصابة مشتبهة”، ظهر فيه التاجر حسني تللو بدور “أبو فهمي”، الدمشقي البسيط شديد الحرص على ماله، لكنه لم يستطع مواصلة العمل، فآلت الشخصية إلى كعيكاتي، وما كان انتقالاً عابراً صار علامةً فنيةً رافقته طوال حياته أضاف إليها من روحه وأدائه حتى غدت أقرب إلى توقيعه الخاص.

والمثير أن الضحك وُلد من ظرفٍ جادّ فالكوميديا لم تكن زينةً منفصلة عن الواقع، بل وسيلةً للوصول إلى الناس في زمن الخوف ، في شخصية “أبو فهمي” وجد كعيكاتي مدخلاً إلى طباع مألوفة:
الحذر، والمبالغة في الشح، والقلق على المصلحة الصغيرة.

لم يكن سر الشخصية في النكتة وحدها، بل في ذلك الإنسان الذي نعرفه ونضحك عليه، وربما نرى شيئاً منه في أنفسنا.

من أزقة دمشق القديمة نشأ كعيكاتي في سوق ساروجا، وحفظ القرآن في الكتّاب، ثم درس في الكلية العلمية الوطنية، واتجه إلى التعليم الصناعي والعمل في شركة الكهرباء لكنه أحب التمثيل من صغره، وشارك في عروض مسرحية كانت تُقام في البيوت حيث تعرّف إلى تيسير السعدي، الذي وصله بفخري البارودي، فاحتضنه البارودي فنياً وأسهم في دخوله إلى إذاعة دمشق عند تأسيسها سنة1947

تعاون مع أنور البابا، صاحب شخصية “أم كامل”، في ثنائي إذاعي جمع “أبو فهمي” و”أم كامل”، وذاع صداه بين المستمعين، وعندما بدأ التلفزيون السوري بثه سنة 1960، انتقلت الشخصية من الصوت إلى الصورة، فصار لها حضور بصري موازٍ لصوتها الذي ألفه الجمهور، بهذا الانتقال لم يكتفِ كعيكاتي بتقديم دور ناجح، بل ساهم في ترسيخ شكلٍ من الكوميديا السورية التي تنبع من تفاصيل الحياة اليومية ولهجتها وشخصياتها.

ثم اتسعت تجربته إلى المسرح والسينما والتلفزيون، وشارك في أعمالٍ مع دريد لحام ونهاد قلعي، منها “حمام الهنا” و”صح النوم”، كما ظهر في أفلام مثل “اللص الظريف” و”خياط للسيدات”.
من المواقف اللافتة في مسيرته أنه أدّى في الحلقات الأولى من “صح النوم” شخصية العريف أبي فهمي، مدير مخفر “حارة كل مين إيده إلو”، ثم اعتذر عن مواصلة الدور، فانتقل إلى الفنان عبد اللطيف فتحي،  كما شارك في مسلسل “قصاقيص” عام 1977، مقدمًا مع سامية الجزائري شخصية “أبو جندل”، الرجل المتردد والضعيف أمام زوجته، وهي شخصية أظهرت أن موهبته لم تكن أسيرة “أبو فهمي”، وإن ظل ذلك الدور الأشهر في ذاكرة الجمهور

استطاع الجمع بين الفن والعمل الوظيفي في شركة الكهرباء ماجعل مسيرته تبدو أقرب لحياة فنانٍ ظل قريب من الناس ومن إيقاع حياتهم، وليس صورة النجم المنفصل عن يومياتهم.

رحل كعيكاتي في دبي عام 1982، لكن “أبو فهمي” بقي حياً في الذاكرة، لا بوصفه قناعاً كوميدياً فحسب، بل صورةً ساخرةً وحنونةً في آنٍ للإنسان الدمشقي بتناقضاته الصغيرة.
قد تكمن قيمة الفنان بأن يخلق شخصيةً تتجاوز زمنها، شخصيةً يعرفها الناس من نبرةٍ أو حركة، ثم يرددون اسمها كأنها فردٌ من حكاياتهم، وهذا ما فعله فهد كعيكاتي إذ جعل من دورٍ إذاعي عابر رفيقاَ طويل العمر في وجدان المشاهدين.

زر الذهاب إلى الأعلى