كروان الأغنية السورية ماري جبران وأم كلثوم الشام..
كروان الأغنية السورية ماري جبران وأم كلثوم الشام..

كروان الأغنية السورية ماري جبران وأم كلثوم الشام..

خاص الدنيا
بين خزانات الزمن الجميل تنهمر كلمات وأصوات .. نقترب أكثر من بدائع ذلك الزمن الأبيض نرفع الغبار عن الرفوف لنكتشف خمائر أرواح زينتها أصوات من زمن الوصل كانت لوقت قريب تعانق في روحها وحسها مدونات جمالية مرسومة بموسيقى العشق والشوق والصدق .. نقلب بين ابهار قناديل الليل وسكون الذكرى وٱهات عشاق الزمن الأجمل فنجد ترانيم تلك المبدعة الساحرة التي تربعت على القلوب والدروب فسكنت في تيمة الحب بين محراب الفن و ايقاعات الشعراء العظام ..
تعود بنا الحياة إلى تلك الأيام الخوالي لنردد بعشق جدودنا وخفر جداتنا مع ماري جبران أصل الغرام نظرة ….
من منا لم يسمع أغنية ” أصل الغرام نظرة … ” التي غنتها بلهفة عشاق العالم الذين عاجلهم الحب فبطحهم عشقاً وتوقاً وشغفاً من الجولة الأولى من نظرات عيون المها فأطلقتها برداً وسلاماً العارفة بأهل الهوى المبدعة ماري جبران.. وماادراكم ماهي الماري جبران …؟
هي فنانة الزمن الجميل ممثلة ومطربة من مواليد بيروت، من أوائل المطربات السوريات، ابتدأت حياتها الفنية فى التاسعة من عمرها ممثلة ومغنية فى فلسطين والأردن.
ولدت ماري جبور (وهو اسمها الأصلي) في بيروت عام 1911، وهي ابنة «يوسف جبّور» الذي نزح بأسرته إلى سوريا واستوطن في دمشق بسبب قسوة الحياة هرباً من المجاعة التي اجتاحت لبنان زمن الحرب العالمية الأولى ..
توفي والدها في دمشق فانتقلت والدة ماري للإقامة في فلسطين لدى شقيقتها الممثلة ذائعة الصيت وسرعان ما اكتشفت الخالة موهبة ابنة أختها وصوتها العذب، فأخذتها لتغني على مسارح القدس ويافا غير أن خبر عملها الفني لم يرق لعائلة والدها مما اضطر ماري جبور إلى تغيير اسمها الفني إلى “ماري جبران”، ولُقبت هناك بـ”ماري الصغيرة”.
تعلمت وأجادت العزف على العود وهو من أصعب الآلات الموسيقية الوترية لتضيف لمغناها الجميل في الأعراس والمناسبات قيمة وأصالة ورهافة ليكون الإبداع طريقها والطرب خيارها والابتكار دليلها الذي لا يحتار .
وما إن التحقت ماري الصغيرة بفرقة الفنان المسرحي المصري علي الكسار الذي كان يقدم عروضه في فلسطين إلا واشتعلت الغيرة في قلب خالتها فعادت ماري إلى دمشق حيث غنت على ضفاف نهر بردى في “ملهى قصر البلور” الشهير بمنطقة باب توما.
ثم تنقلت بين المسارح، فغنت لفترة في “ملهى كوكب الشرق” في بيروت، وفي “كازينو الشهبندر” بحلب، قبل أن تعود للغناء في “كازينو مسمار” بدمشق.
أثناء وجودها في العاصمة السورية، التقت بالفنانة بديعة مصابني التي أعجبت بها وعرضت عليها العمل في “كازينو بديعة مصابني” الشهير حيث عاشت ماري في مصر نحو سبع سنوات، حققت خلالها نجاحاً باهراً وغنت من ألحان كبار الملحنين المصريين أمثال القصبجي، وداوود حسني، والسنباطي. ولكن بسبب خلاف نشب بينها وبين بديعة مصابني، غادرت ماري مسرحها وعادت إلى دمشق عام 1938.
عملت ماري عند عودتها في “ملهى العباسية” بمنطقة فيكتوريا في دمشق، مقابل أجر خيالي بلغ 150 ليرة ذهبية شهرياً! وذاع صيتها حتى أُطلق عليها لقب “مطربة بلاد الشام الأولى”.
قدمت الأغنية السورية بنجاح كبير إذ لحن لها أبرز الملحنين السوريين مثل نجيب السراج، رفيق شكري، محمد محسن، وزكي محمد، وعن موهبتها الفريدة، قال عنها حليم الرومي: “إنها فنانة بلغت حد المعجزة!”.
سجلت عشرات الأغاني في إذاعة دمشق لتكون من أوائل المطربات اللواتي سجلن الأغاني في الإذاعة السورية .
من أشهر وأجمل أعمالها الرائعة :
-أغنية الغريب من كلمات نزار قباني وتلحين نجيب السراج
-أغنية دمشق التي غنتها عام 1948 في الإذاعة السورية و وحطيت بحماسة وتقدير كبيرين.
-كادني الهوى .
-ياماانت واحشني .
-مونالوج يازمان تلحين نجيب السراج .
-أغنية الحبيب للهجر مايل ..
-أغنية أصل الغرام نظرة ..
فضلاً عن عشرات الموشحات والأدوار الطربية التراثية التي اشتهرت بأدائها على الوجه الأجمل والأفضل والأمثل . .
انتخبت رئيساً لنقابة الفنانين في العام ١٩٥٠ كنوع من التكريم والثناء والتقدير وهو مما يليق بها حيث انتخبت مارى جبران للرئاسة، تيسير عقيل نائب الرئيس، فاير الاسطواني أمين السر، تيسير كركوتلي أمين الصندوق، يحيى النحاس، محمد سالم، رفيق شكرى، مصطفى عادل وسلامة الأغواني، أعضاء.
وقد بدأت أعمالها بالعمل على فرض ضريبة على الفنانين غير السوريين الذين يعملون في مسارح سوريا، وغيره من الاعمال التي انعكست بشكل ايجابي على أحوال الفنانين السوريين.
أطلق عليها سامي الشوا “عازف الكمان الشهير” لقب “أم كلثوم الشام”…
مع تقدم العمر وظهور خيوط الشيخوخة وامارات تعب السنين، حيث لم يكن حظها وحظ فنانات زمانها لينعم بمزايا الشد والنغخ والشفط وماتيسر من البوتكس والفيلر ….
فكان قرارها في الابتعاد عن الغناء في الصالات والمسارح بعد شعورها بأن الجمهور بدأ يتحول عنها إلى المطربات اليافعات .. والاكتفاء بالغناء عبر الميكروفون ..
الجدير بالذكر أن صديقها الصدوق الأستاذ عبدالغني العطري ظل يدعمها إعلامياً عبر منبر مجلة الدنيا التي كانت صديقة كل البيوت والمجتمعات .. ولطالما عبرت ماري جبران عن عظيم امتنانها لصديقها العطري خلافاً لموقفها من الآخرين “باستثناء “نجيب السراج” ممن كانت تصفهم بأنهم يسمعون الفن والغناء بعيونهم وليس بقلوبهم وأحاسيسهم ومشاعرهم ..
ابتعدت ماري جبران عن الأضواء بشكل نهائي بعد إصابتها بالسرطان . فأمضت الأعوام الأخيرة من حياتها في عزلة وحسرة ودمعة وصراع مرير مع مرضها العنيد حتى فاضت روحها الطاهرة إلى أمجاد السماء في العام ١٩٥٦ حيث رثاها صديقها عبدالغني العطري على صفحات مجلة الدنيا بكلمات بليغة مؤثرة ليست كالكلمات..
رغم رحيلها منذ أكثر من نصف قرن إلا أن صوتها ظل حيا خالداً، ففي العام ٢٠٠٨ أصدر أول ألبوم غنائي يجمع أغانيها التي سارعت إلى تجديدها وتسجيلها في العام ١٩٥٤ أي قبل رحيلها بعامين ..
وهو ما يذكرني بقول شاعرنا الكبير المتنبي :
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
ماري جبران حكاية فنانة عبقرية لم تدخل معاهد ولم تنتسب إلى أكاديميات ولا جامعات ..
كانت موهبتها وصدقها خير معين لها في مسيرة فنية ذاقت فيها كؤوس المجد تارة وكؤوس الخذلان تارة ..
ولعمري فهي حكاية وان بدت إشكالية في جوانب عديدة منها ،إلا أنها جديرة بالتوثيق والدراسة وإعداد عمل درامي يليق بعظمة الفنانة هذه وعبقريتها الاستثنائية .. والعبقريات الأدبية والفنية والجمالية لاتموت …
د. سامر عبدالغني العطري






