
الرواية المزيفة التي أبكتنا..
خاص الدنيا
من منا لم يمسح دمعته وهو يقرأ هذا النص:
“اقتباس” … يقول تشيخوف في مقطع من مذكراته:
لقد توفيت منذ دقيقتين.. وجدت نفسي هُنا وحدي معي مجموعة من الملائكة، و آخرين لا أعرف ما هم، توسلت بهم أن يعيدونني إلى الحياة، من أجل زوجتي التي لا تزال صغيرة وولدي الذي لم يرَ النور بعد، لقد كانت زوجتي حامل في شهرها الثالث، مرت عدة دقائق اخرى، جاء أحد الملائكة يحمل شيء يشبه شاشة التلفاز أخبرني أن التوقيت بين الدُنيا والآخرة يختلف كثيراً، الدقائق هُنا تعادل الكثير من الأيام هناك
“تستطيع ان تطمئن عليهم من هنا”.
قام بتشغيل الشاشة فظهرت زوجتي مباشرةً تحمل طفلاً صغيراً!
الصورة كانت مسرعة جداً، الزمن كان يتغير كل دقيقة، كان ابني يكبر ويكبر، وكل شيء يتغير، غيرت زوجتي الأثاث، استطاعت أن تحصل على مرتبي التقاعدي، دخل ابني للمدرسة، تزوج اخوتي الواحد تلو الآخر، أصبح للجميع حياته الخاصة، مرت الكثير من الحوادث، وفي زحمة الحركة والصورة المشوشة، لاحظت شيئاً ثابتاً في الخلف، يبدو كالظل الأسود، مرت دقائق كثيرة، ولا يزال الظل ذاته في جميع الصور، كانت تمر هنالك السنوات، كان الظل يصغر، و يخفت، ناديت على أحد الملائكة، توسلته أن يقرب لي هذا الظل حتى اراه جيداً، لقد كان ملاكا عطوفاً، لم يقم فقط بتقريب الصورة، بل عرض المشهد بذات التوقيت الأرضي، و لا ازال هُنا قابعاً في مكاني، منذ خمسة عشر عام، أُشاهد هذا الظل يبكي فأبكي، لم يكن هذا الظل سوى “أمي”. انتهى الاقتباس.
ما أن نستيقظ من نشوة هذا الشجن الأدبي ونبدأ بتشغيل خلايانا الرمادية حتى يصدمنا الواقع فنجد أن النص يقول إن الملاك حمل لـ “تشيخوف” شيئاً يشبه “شاشة التلفاز”!!!
لكن أنطون تشيخوف توفي في عام 1904 أي قبل اختراع التلفزيون بعقود طويلة، فكيف يمكن لكاتب في مطلع القرن العشرين أن يتحدث عن التلفاز؟!!.
من ناحية أخرى فهذا النص يخالف اسلوب تشيخوف الذي يتسم بـ “الواقعية الموضوعية” و بأن الكاتب يجب أن يكون محايداً، يصف الألم ببرودة قاتلة ليترك للقارئ مهمة اكتشاف المأساة..
بينما هذا النص المنسوب إليه هنا يحوي الكثير من المباشرة الميلودرامية.
فتشيخوف في قصته القصيرة “البؤس” وبدون تسول عاطفي يثير شجناً لا حدود له حين يجعل البطل يشكو مصيبته وحزنه لعربته وحصانه لأن البشر من حوله قساة ولا يصغون!!.
إن هذا النص، رغم شاعريته وقدرته البالغة على استدرار الدموع، هو تلفيق أدبي لا يمت لأنطون تشيخوف بصلة وانتشاره على وسائل التواصل الاجتماعي يكشف عن ظاهرة “الجوع العاطفي” الذي ينهشنا، فنحن نميل للنصوص العاطفية المباشرة التي تشعرنا بالشجن، ونتجاهل الأدب العظيم الذي يتطلب منا جهداً وتأملًا.






