سورية والعالمشؤون قانونية
أخر الأخبار

“الابن الأوسط” بين التنمر الرقمي والمسؤولية القانونية والنفسية

“الابن الأوسط” بين التنمر الرقمي والمسؤولية القانونية والنفسية

“الابن الأوسط” بين التنمر الرقمي والمسؤولية القانونية والنفسية

الثورة السورية – مها دياب
تحرص الأسرة على رعاية أبنائها جميعاً مهما اختلف عددهم وترتيبهم، فالأم والأب يبذلان جهداً كبيراً في تربيتهم. وأي تقصير يحدث تجاه أحد الأبناء غالباً ما يكون نتيجة ضغوط الحياة اليومية وانشغالاتها، وأحياناً بسبب الفارق الزمني القليل بين طفل وآخر.

وهنا تدخل منصات التواصل الاجتماعي على الخط، فتتناول هذا الموضوع بطريقة ساخرة من خلال بعض المؤثرين وصانعي المحتوى، وتحول ترتيب الأبناء داخل الأسرة إلى مادة للترفيه الرقمي، مستغلة صورة “الابن الأوسط” لتحقيق المشاهدات والإعجابات، دون اكتراث بالأثر النفسي الذي قد تتركه هذه المحتويات على الأبناء الذين يعيشون مشاعر التفرقة فعلياً.

ورغم أن هذه الصورة مرفوضة لدى كثير من الأسر، إلا أنها موجودة لدى البعض، ما يجعل السخرية منها تسهم في ترسيخ صور نمطية تزيد من شعور الابن الأوسط بالتهميش، وتجعله أضحوكة في بيته قبل أن يكون هدفاً للسخرية في العالم الافتراضي.

وتتشابه حكايات بعض الأبناء المتوسطين من خلال شعورهم بأنهم غير مرئيين، وأن احتياجاتهم وإنجازاتهم تظل في الظل. وعندما يجدون هذه المشاعر معززة بمحتوى يسخر منهم، قد يصلون إلى حالة من اليأس، وقد يصدقون تلك الصورة النمطية ويعتقدون أن جهودهم تذهب هدراً. وهذا الإيذاء النفسي قد يترك أثراً عميقاً ينعكس على علاقاتهم المستقبلية وكيفية بناء أسرتهم الخاصة.

“الثورة السورية” تابعت هذا الملف، والتقت المحامية دلال نصار لاستعراض الجوانب القانونية، والاختصاصية النفسية رزان المصري لتحليل الأثر النفسي، وشرح أبعاد الظاهرة وسبل مواجهتها.

القانون يعاقب على الذم والقدح الإلكتروني

في حديثها لـ”الثورة السورية”، أوضحت المحامية دلال نصار أن التشريع السوري لا يتضمن جريمة مستقلة تحت مسمى التنمر، وأن مجرد تناول فكرة الابن الأوسط أو السخرية العامة من بعض الصفات المنسوبة إليه لا يشكل بحد ذاته جريمة جزائية.

وأشارت إلى أن التوصيف القانوني يختلف عندما يتحول المحتوى من طرح عام أو فكاهي إلى إساءة موجهة إلى شخص محدد، خاصة إذا تضمنت المادة المنشورة عبارات تنال من كرامته أو اعتباره أو سمعته. وفي هذه الحالة يمكن أن تندرج الأفعال تحت جرائم الذم أو القدح أو التحقير الإلكتروني المنصوص عليها في القانون رقم 20 لعام 2022 الخاص بتنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية.

وأوضحت نصار أن المادة 24 من القانون تجرم الذم الإلكتروني، بينما تجرم المادة 25 القدح أو التحقير الإلكتروني عندما يرتكبان باستخدام وسائل تقانة المعلومات. ويعتد هنا بطبيعة العبارات والمحتوى ومدى انطباق العناصر القانونية للجريمة على الواقعة، وليس بمجرد وصف المحتوى بأنه تنمر.

كما أن قانون العقوبات السوري يميز بين الذم، وهو نسبة أمر إلى شخص من شأنه المساس بشرفه أو كرامته، وبين القدح الذي يتحقق بالازدراء أو السباب أو التعبير الذي ينطوي على التحقير.

وتوضح نصار أن قيام المسؤولية الجزائية لا يتوقف على كون الشخص ابناً أوسط، وإنما يرتبط بطبيعة المحتوى المنشور والشخص المستهدف ومضمون العبارات ومدى توافر عناصر الجريمة.

وشددت على أن المسألة تكتسب أهمية إضافية إذا كان الابن الأوسط طفلاً، إذ نص قانون حقوق الطفل السوري رقم 21 لعام 2021 على حق الطفل في الحماية من أشكال العنف كافة، بما فيها الإساءة المعنوية. وهذا ما يوجب التعامل مع أي محتوى من شأنه إلحاق أذى معنوي بالطفل بجدية أكبر، مع بقاء التكييف الجزائي مرتبطاً بالفعل الذي تحققت عناصره وفق القانون.

وأكدت أنه لا يمكن قانوناً اعتبار كل محتوى ساخر عن الابن الأوسط جريمة، إلا أن تحول المحتوى إلى استهداف وإهانة أو تحقير أو ذم لشخص محدد قد يؤدي إلى نشوء المسؤولية الجزائية وفق النصوص النافذة.

كيف يمكن التصدي للتنمر على الابن الأوسط

أشارت المحامية نصار إلى أن التصدي لهذه الظاهرة يحتاج إلى مسارين متوازيين، مسار قانوني ومسار توعوي.
ومن الناحية القانونية، يجب تحديد الفعل الذي يشكله هذا المحتوى وتطبيق النص القانوني المناسب عليه. وإذا تضمن المحتوى عبارات أو صوراً من شأنها الإساءة إلى شخص محدد أو الحط من كرامته، فقد تتوافر عناصر الذم أو القدح أو التحقير الإلكتروني.

وأتاح القانون للمتضرر من المحتوى الرقمي أن يتقدم بشكوى إلى مقدم خدمات التطبيقات أو الاستضافة على الشبكة بشأن المحتوى الذي يفترض أنه غير مشروع، لطلب حذفه أو تعديله أو تصحيحه وفقاً للمادة 42 من القانون.

كما نظم القانون حجية الدليل الرقمي أمام القضاء، ما يجعل الاحتفاظ بالمحتوى محل الإساءة وتوثيق الرابط والحساب وتاريخ النشر والتعليقات والمراسلات المرتبطة به أمراً بالغ الأهمية عند اللجوء إلى القضاء.

وترى نصار أن إضافة التنمر الإلكتروني كجريمة مستقلة أمر ممكن من الناحية التشريعية، وقد يكون مفيداً إذا وضع المشرع تعريفاً دقيقاً للتنمر الإلكتروني وحدد أركانه بصورة واضحة، ولا سيما عنصر الاستهداف والقصد والتكرار، وميز بين المزاح أو الرأي وبين السلوك الذي يتعمد الإذلال أو التخويف أو الإيذاء النفسي.

وأشارت إلى أن القانون السوري الحالي يعاقب بالفعل عدداً من الأفعال التي قد تشكل صوراً من التنمر الإلكتروني، لكنه لا يستخدم التنمر الإلكتروني كعنوان لجرم مستقل. ومن هنا يمكن أن يكون استحداث نص خاص أكثر وضوحاً، خصوصاً عندما يكون المجني عليه طفلاً.

وأكدت نصار أن الحماية القانونية وحدها لا تكفي، فالمسؤولية تقع أيضاً على المؤثرين وصناع المحتوى في ضرورة عدم تحويل فئة عمرية أو صفة عائلية مثل الابن الأوسط إلى مادة للإذلال أو التنميط، خصوصاً عندما يكون المحتوى موجهاً إلى طفل أو مراهق ويمكن أن يترك أثراً نفسياً واجتماعياً عليه.

ولذلك ترى أن التصدي لهذه الظاهرة يجب أن يجمع بين تطبيق النصوص القانونية النافذة، وتمكين المتضرر من إزالة المحتوى المسيء وتوثيقه، والتوعية بمسؤولية صانع المحتوى، والعمل التشريعي على وضع نص أكثر تحديداً للتنمر الإلكتروني مع حماية مشددة عندما يكون الضحية طفلاً.

تجارب دولية في تجريم التنمر الإلكتروني

استعرضت نصار تجارب بعض الدول التي سبقت في هذا المجال. ففي فرنسا، يتضمن قانون العقوبات نصوصاً صريحة تجرم التحرش المعنوي، وتشدد العقوبة عندما ترتكب الأفعال باستخدام وسائل الاتصال الإلكتروني، وتصل العقوبة في الحالات التي يترتب عليها انتحار الضحية أو محاولة انتحارها إلى عشر سنوات من الحبس وغرامة قدرها 150 ألف يورو.

وفي الفلبين وإيرلندا، اتجهت التشريعات إلى وضع نصوص قانونية صريحة لمواجهة التنمر والتحرش الإلكتروني، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالأطفال أو الطلاب.

وأشارت إلى أن المشرع المصري أدرك خطورة هذا السلوك، فأصدر تشريعات حازمة في قانون العقوبات وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، حيث نصت المادة 309 مكرر ب على عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه للتنمر، مع تشديد العقوبة إذا تم ارتكاب الجريمة من أكثر من شخص أو في مكان عمل أو مؤسسة تعليمية.

الأسرة تربي الأبناء دون الانتباه إلى ترتيبهم

في حديثها لـ”الثورة السورية”، تؤكد الاختصاصية النفسية رزان المصري أن الأسرة في الغالب تربي الأبناء دون الانتباه إلى ترتيبهم، وأن أي تقصير يحدث من الأم أو الأب هو نتاج ضغوط الحياة وانشغالاتها.

وتشير إلى أن الأبناء المتوسطين غالباً ما يقعون في منطقة لا تحظى بالاهتمام الكافي، لأن الأكبر يأخذ حيزاً من الاهتمام بسبب مسؤولياته وتوقعات النجاح منه، والأصغر يحظى بالرعاية والتدليل، بينما يبقى الأوسط في المنطقة الرمادية.

وترى المصري أن الأسرة بحاجة إلى التوعية حول هذا الموضوع، مع تشجيع الأبناء المتوسطين وتلافي أي تعب تربوي أو نفسي قد يلحق بهم، من خلال إعطائهم الاهتمام الكافي، والاستماع إليهم، وإشراكهم في القرارات العائلية، وتقدير إنجازاتهم كما تُقدّر إنجازات أشقائهم، لأن تجاهل هذه النقطة قد يترك أثراً عميقاً في شخصياتهم.

وتعطي المصري مثالاً على ذلك من خلال أمهات طلبن المساعدة. إحداهن كانت تعاني مع ابنها الأوسط يوسف، 14 سنة، لأنها لا تهتم به. ومهما حاولت تغيير هذه الفكرة لم تستطع، لتتفاجأ بأنه يشاهد باستمرار مقاطع فيديو تسخر من الابن الأوسط، يشاركها معه أصدقاؤه ويضحكون عليها، بينما يتقبلها ظاهرياً.

وقد انعكس ذلك على سلوكه، إذ أصبح منعزلاً ويقضي ساعات طويلة في غرفته ويهمل دراسته. ومع المحاولات الكثيرة منها، اعترف بأنه يشعر بأن كل هذه النكات تصفه هو شخصياً، وأنه أصبح يعتقد أنه حقاً غير مهم في العائلة، وقد وصل الأمر به إلى التفكير بأنه عبء على أسرته.

وتقول المصري إن قصة يوسف أصبحت شائعة وليست حالة معزولة، وترى أنها نموذج لما يحدث في آلاف البيوت، حيث يتحول المحتوى الترفيهي إلى سلاح يدمر ثقة الأبناء بأنفسهم.

وتذكر أيضاً فاطمة التي كانت تعاني مع ابنها الأوسط خالد، 12 سنة، لأنه أصبح سريع الانفعال ويتشاجر مع إخوته باستمرار. وعندما حاولت معرفة السبب، اكتشفت أنه كان يشاهد محتويات تقدم صورة الابن الأوسط كشخص مثير للمشكلات وغير مرغوب فيه.

وبدأ خالد يقلد هذا السلوك ظناً منه أن هذا هو ما يتوقعه الناس منه. وتؤكد المصري أن هذه المحتويات تؤثر على نفسية الأبناء، وتسهم في تشكيل سلوكهم اليومي، وتجعلهم يعيشون وفق الصورة النمطية التي يروج لها المؤثرون، وكأنها قدر محتوم لا مفر منه.

وتشير إلى أن توعية الأسر حول هذا الموضوع يجب أن تترافق مع جهود المؤسسات الأهلية والمدارس، من خلال تضمين مناهجها التوعية بمخاطر التنمر الإلكتروني، وتعزيز ثقافة الاحترام الرقمي، وتعليم الطلاب كيفية التعامل مع المحتوى المسيء.
كما يمكن للمجتمع المدني تنظيم حملات توعية تستهدف الأسر لتوعيتها بخطورة هذه الظاهرة وكيفية حماية أبنائها منها.

فالوعي هو السلاح الأقوى في مواجهة هذه الآفة، لأن تكاتف الجميع، من أسر ومدارس ومؤسسات أهلية، يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في حماية الأبناء من هذا النوع من الإيذاء النفسي.

كيف تتعامل الأسرة مع المحتوى المسيء؟

تقدم المصري مجموعة من النصائح للأسر للتعامل مع هذه الظاهرة، أولها الانتباه إلى المحتوى الذي يتابعه الأبناء، والتحدث معهم حول مشاعرهم تجاه هذه المحتويات.

وثانياً تعزيز ثقة الأبناء بأنفسهم، وتذكيرهم بأن قيمتهم لا تحددها آراء الآخرين، وثالثاً تشجيعهم على التحدث عن أي موقف تعرضوا فيه للتنمر، وتوفير بيئة آمنة لهم للبوح بمشاعرهم.

ورابعاً تعليمهم كيفية التعامل مع المحتوى المسيء عبر حظر الحسابات التي تنشره والإبلاغ عنه، دون أن يشعروا بالخجل أو الذنب.

وتختتم المصري بالقول إن من الضروري أن تدرك الأسر أن المحتوى الذي يبدو مجرد نكات عابرة قد يكون له تأثيرات عميقة على الأبناء، وأن الحديث المفتوح والدعم النفسي المستمر هما الطريق الأفضل لمواجهة هذه الظاهرة وحماية الأبناء منها.
وتدعو إلى تضافر جهود الجميع، من أسر ومدارس ومؤسسات أهلية، لحماية الأبناء من هذا النوع من الإيذاء النفسي الذي قد يترك ندوباً لا تلتئم.

فالطفل الذي يشعر بأنه مرئي ومسموع ومحترم في منزله ومجتمعه سيكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات الرقمية، وأقل تأثراً بالمحتويات المسيئة التي قد تصادفه في الفضاء الرقمي.

زر الذهاب إلى الأعلى