في ذكرى وفاة الفنانة القديرة سعاد محمد

خاص الدنيا
سعاد محمد فنانة مبدعة عظيمة من جيل العمالقة أعطت في أصعب الظروف فأتقنت وأجادت وتفردت وتميزت …
ولئن لم يحالفها الحظ الكبير الذي تستحق فإن النجاح الوفير والاحترام كان نصيبها الأكبر في رحلة فنية حفلت بالتحديات والاستحقاقات والصعوبات ..
وُلدت “سعاد محمد المصري” في 2 شباط 1926 ببلدة تلة الخياط في بيروت، لأب مصري من محافظة أسيوط وأم لبنانية.
انتقلت الأسرة لاحقًا إلى دمشق، وقد ورثت سعاد جمال الصوت من والدها الذي كان يجيد الإنشاد الديني.
عشقت الفنانة سعاد محمد الغناء منذ سن السابعة، وكانت تستمع إلى نغمات العود التي يعزفها نسيب والدتها الموسيقي “محيي الدين سلام”، وهو والد الفنانة الكبيرة نجاح سلام ورئيس الدائرة الموسيقية في الإذاعة اللبنانية، الذي أعجب بصوتها منذ الصغر، فقام بتدريبها على الغناء والعزف على العود ..
وبسرعة ذاع صيت سعاد محمد، فبدأت تغني في الأفراح والحفلات المدرسية والجمعيات الخيرية.
وكانت انطلاقتها الأولى عبر غناء الموشحات في إذاعة دمشق، قبل أن تنتقل إلى مدينة حلب، حيث صقلت موهبتها في بيئة الطرب والفن، وهناك تعهدها الملحن محمد محسن، فأسهم في تطوير قدراتها الفنية وإبراز جمال صوتها .
ومن المعروف أن مؤسسة مجلة الدنيا لصاحبها المؤسس الكبير القدير عبدالغني العطري فتحت لها أبواب كثيرة في الانتشار والشهرة والتميز .
ولطالما اتحفتنا مجلة الدنيا بسلسلة مقالات وتحقيقات وريبورتاجات تروي سيرة النجاح المعمدة بالصبر والمثابرة والكثير من التحديات .
يقول الراحل الكبير عبد الغني العطري في صديقة عمره سعاد محمد أنها صوت قوي طربي نادر .. على أن مشكلة سعاد محمد إنما كانت في ظروفها العائلية الضاغطة وجيزاتها المتكررة التي أخذت من وقتها وروحها وطاقاتها ، سيما وأن بعض تلك الجيزات لم ترقى إلى مكانتها ودورها وقيمتها فاستهلكت من معنوياتها واولوياتها الكثير ..
غنت سعاد محمد في أفخم المرابع والنوادي والفنادق في دمشق وحلب واقامت بدمشق لسنوات طوال خلال الخمسينيات ..
وقد شكل سفر سعاد محمد إلى القاهرة، “هوليوود الشرق”، خطوة مهمة على طريق الشهرة؛ إذ شاركت في فيلم “ماجدة” إلى جانب الفنانة ماري كويني والفنان محسن سرحان .. مما فتح أمامها باب البطولة السينمائية.
ففي عام ١٩٥٥ أدت دور البطولة في فيلم “أنا وحدي”، حيث غنت مجموعة من أشهر أغانيها مثل: “فتح الهوى الشباك، القلب ولا العين.. مين السبب في الحب؟، وأنا وحدي”.
ولسبب غير معلوم، أنهت سعاد محمد مشوارها السينمائي واكتفت بالغناء، مكتفية من السينما بتقديم أغنيات مدبلجة لبطلات أخريات. من أبرز هذه الأعمال أغانيها في فيلم “الشيماء”، وعلى رأسها رائعة “إنك لا تهدي الأحبة والله يهدي من يشاء”.
كما شاركت بالغناء في الفيلم النادر “شهيدة الحب الإلهي” الذي تناول قصة حياة رابعة العدوية، وكذلك في فيلم “بمبة كشر” عام 1974.
تعاونت سعاد محمد خلال مشوارها الغنائي مع نخبة من كبار الشعراء والملحنين في العالم العربي، وقدمت عبر الإذاعات العربية، ولا سيما المصرية والسورية، رصيداً ضخماً من الأعمال يُقال إنه تجاوز الألف أغنية.
.ومن أشهر أغانيها: “أوعدك، وحشتني، فتح الهوا الشباك، من غير حب، مظلومة، وقصيدة انتظار”، إضافة إلى إذا ما الصبح نادانا وبالأنوار وافانا.
كما غنت رائعة سيد درويش أنا هويت وانتهيت”.
لحن للفنانة سعاد محمد كبار عمالقة التلحين في العالم العربي، منهم محمد القصبجي، زكريا أحمد، رياض السنباطي، بليغ حمدي، محمد فوزي، محمد سلطان، محمد الموجي، وفريد الأطرش الذي أهداها أغنيته الشهيرة “بقى عاوز تنساني”، وحرص على وجودها في حفلات الربيع التي كان يشارك فيها. ورغم إعجاب موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بصوتها وإشادته به، فإنه لم يلحن لها أي أغنية، وقال مقولته الشهيرة: “كل ما أجي ألحن لها لحن يقولولي يا حامل يا ولدت!” .. وهو ماينسجم مع رأي الصحافي الكبير عبدالغني العطري الذي عبر مراراً وتكراراً عن أسفه الشديد لضياع سعاد محمد وتمزقها تحت ضغوط ارتباطات غير متكافئة .
تزوجت سعاد محمد ثلاث مرات، وكانت زيجتها الأولى عام ١٩٥٢ من الشاعر والكاتب الصحفي “محمد علي فتوح”، الذي قدم لها ما يقرب من ١٣٠ أغنية.
استمر زواجهما عشر سنوات قبل أن ينفصلا، وأنجبت منه ستة أبناء وبنات، من بينهم المطربة المعروفة نهاد فتوح التي ذاع صيتها خلال الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي .
ثم تزوجت من المهندس المصري محمد بيبرس عام 1961، ورُزقت منه بأربعة أبناء، وابتعدت عن الفن لفترة لانشغالها بتربيتهم.
وبعد ذلك تزوجت من رجل أعمال لبناني، لكنها لم تُرزق منه بأطفال، وانتهى الزواج بالطلاق قبل وفاتها.
“مظلومة رغم أنني فنانة جيدة”، هذه الكلمات كانت ترددها الفنانة سعاد محمد في أكثر من لقاء، مؤكدة أنها لم تنل حقها خلال مشوارها الفني. وفي أحد اللقاءات المتلفزة قالت: “أين أنا من الإعلام؟ أنا أغني منذ عام ١٩٤٨ ولم أحصل على حقي من الصحافة والتلفزيون.
أما الجمهور فقد أعطاني حقي ولي جمهور في الوطن العربي كله ..
خضعت الفنانة سعاد محمد لعمليتين جراحيتين في سنواتها الأخيرة، إحداهما في القلب.
ورغم نجاح العمليتين، إلا أنه بعد فترة رحلت “صاحبة الألف أغنية” عن عالمنا، حيث توفيت في منزلها ورحلت بصمت وكبرياء بعيداً عن الأضواء بالقاهرة يوم ٤ تموز عام ٢٠١١ ..
سعاد محمد صفحة جميلة من الزمن الجميل تستحق البقاء في قلوبنا وذاكرتنا ….
د. سامر عبدالغني العطري





