أدب وفن ورياضة

لغز الماء الذي لم يحل!!!

لغز الماء الذي لم يحل!!!

لغز الماء الذي لم يحل!!!

خاص الدنيا
كان “ملك الموت” ينتظر على يد سائق مجهول خلف مقود سيارة “فورد” سوداء.
كانت رحلة لقضاء إجازة في “رأس البر” هرباً من حرارة التصوير لفيلم “غرام وانتقام” فيلمها الأخير إلى جانب يوسف وهبي وأنور وجدي ومحمود المليجي وبشارة واكيم حيث سجلت فيه مجموعة من أحلى أغانيها، لكن الرحلة تحولت لموعد مع نبوءة قديمة طاردت أسمهان طويلاً.

بلا مقدمات، انحرفت السيارة لتغوص في أعماق ترعة “الساحل” بمدينة طلخا، وفي لحظات صمت الصوت الذي هزّ الشرق، بينما قفز السائق واختفى تاركاً خلفه جثتين لامرأتين وحزن وحيرة لازالا حتى اليوم.

كأن الماء قدرها ففي عام 1912 على متن باخرة، ولدت السيدة علياء المنذر طفلة أطلقوا عليها اسم: “آمال” وهي ابنة الأمير فهد الأطرش سليل عائلة أمراء الدروز في جبل العرب.
نشأت آمال في عيش رغيد حتى اندلعت الثورة السورية الكبرى، فهربت الأم بأطفالها (فريد، فؤاد، وآمال) إلى القاهرة، لتبدأ من هناك قصة صعود أسطورتين فنيتين.
في شقة متواضعة بحي “الفجالة” كانت الأم تغني لتعيل أطفالها، وهناك تشربت آمال الفن، حين سمع الملحن الكبير داود حسني صوت آمال الذي لم يسمع له مثيلاً ذُهل وأطلق عليها اسم “أسمهان”.

بدأت الأميرة الصغيرة تقتحم عالم الطرب، فاستقبلها المجتمع الأرستقراطي من أوسع أبوابه لما لها من موهبة فنية نادرة وحُسنٌ عز نظيره.
كانت “ثورة موسيقية”، وهي الوحيدة التي استطاعت أن تكون ندأ لكوكب الشرق أم كلثوم، فصوتها الأوبرالي جمع بين الشجن الشرقي والتقنيات الغربية، قدّمت مع القصبجي وعبد الوهاب والسنباطي روائع مثل “يا طيور” و”ليالي الأنس في فيينا”.

اجتماعياً، مثّلت أسمهان حالة من التمرد الجميل فكانت أول “أميرة” تدخل عالم السينما والمسرح، وفرضت احترامها وحضورها بجمالها الآسر وصوتها الذي وصفه محمد عبد الوهاب بأنه “صوت قادم من السماء”.

لا يذكر اسم أسمهان إلا ويذكر معه “التعاون مع الاستخبارات البريطانية”.
لكن الحقيقة أن أسمهان لم تكن جاسوسة بالمعنى الرخيص، بل كانت “وسيطة سياسية” تعمل بدافع وطني، ففي عام 1941 طلبت منها بريطانيا التدخل لإقناع زعماء الدروز في سوريا بعدم التصدي لقوات الحلفاء في زحفهم ضد قوات “فيشي” الموالية للنازية، مقابل وعد باستقلال سوريا، وكانت اسمهان ككل السوريين تحلم بحصول بلادها على الحرية، لكنها وجدت نفسها بين فكي كماشة (المخابرات البريطانية والفرنسية)، وحين شعرت بتلاعبهم حاولت مجارتهم لتصل لهدفها السامي، وهذا ما جعلها هدفاً للتصفية من عدة جهات مما يرجح فرضية الاغتيال في حادثة غرقها.

عاشت أسمهان حياة صاخبة، كانت تنفق ببذخ الأمراء وتأسرها بساطة حياة الفقراء، فكان من طرائفها أنها إذا كانت في أرقى صالونات القاهرة وشعرت بالملل تترك الجميع وتذهب للجلوس مع البسطاء.

كانت “أبية” ترفض الغناء إذا لم تجد في القاعة “جمهوراً يتذوق بقلبه لا بعينه”.
تزوجت من ابن عمها الأمير حسن الأطرش لتعود أميرة في الجبل، لكن الفن كان يسري في دمها فطلبت الطلاق لتعود إلى القاهرة وتتزوج لاحقاً من المخرج أحمد بدرخان ثم الفنان أحمد سالم، في زيجات كانت أقرب إلى الأفلام الدرامية.

طاردت أسمهان شائعات كثيرة، أبرزها أن أم كلثوم كانت وراء التخلص منها بسبب الغيرة.
وهذا ما ينفيه المنطق والوقائع، فأم كلثوم كانت قمة هرم الغناء ولا تحتاج لهكذا أسلوب، وأسمهان كانت تحترم “الست” بشدة.
كما قيل الكثير عن علاقاتها العاطفية، والحقيقة أنها كانت امرأة تبحث عن الأمان والحب في عالم مضطرب ولم تكن يوماً تلك الشخصية المستهترة التي روج لها أعداؤها.

هز رحيلها المفجع وجدان الأدباء، رثاها ، الأديب والشاعر السوري “بديع حقي” نشرتها مجلة “الدنيا”، بقصيدة حزينة رائعة، قال فيها:

على مذبح الآه والحب، عفو
—————- تعلاّ تك الطيب، عفو القدر
فأي ارتعاش، تسلسل في الموت
—————- طيفاً فطيفاً ، ومال ومر
وأي اصفرار على شفة غام
—————- لوناً نحيلاً كثيب الصور
ونادى من الغيب لحن وجيع
—————- فازجى اللا القبر نوح الوتر
هفا صوتك الحلو يرفل بالحب
—————- والخلد و النغم والمبتكر
فرجع أغاريدك البيض يسخو دنى
—————- من لحون شرود الذكر
وأصداء عودك تهفو إلى الافق
—————- حوراً ثكالى .. فبكى الحجر
وماتت كما يغرق اللمح في لجة
—————- الجفن سهوا، ويذوي الشرر
بديع حقي

رحلت أسمهان في مثل هذا اليوم ولكن فنها ظل حياً، وبقي لغزها قائماً وصوتها يتردد في كل “ليلة أنس”، لتظل تلك الأميرة التي ولدت في الماء وغسلت أحزاننا بصوتها، و عادت لتنام في حضن الماء إلى الأبد.

رحم الله الفنانة المميزة أسمهان.

هامش: قام قائد الأوركسترا السوري-الكندي مؤيد الخالدي باحياء حفلاً رائعاً بعنوان أسمهان وفريد الأطرش وذلك في دار الأوبرا في دمشق، حيث بيعت التذاكر بمجرد الاعلان عن الحفل وهذا مؤشر على الحضور القوي لفن أسمهان وفريد في الوجدان العربي.

-الصورة نقلاً عن صفحة (عشاق اسمهان في سورية) ، رابط الصفحة في التعليق الأول
-جرى ترميم الصفحة وتلوينها بواسطة الذكاء الاصطناعي

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى