مستقبل صناعة السيارات بين الأزرار التقليدية والأزرار الافتراضية في شاشات التحكم
مستقبل صناعة السيارات بين الأزرار التقليدية والأزرار الافتراضية في شاشات التحكم

مستقبل صناعة السيارات بين الأزرار التقليدية والأزرار الافتراضية في شاشات التحكم
تجربة شخصية
لا أنسى الشعور الذي انتابني حين دعاني صديقي لتجربة سيارة حديثة جداً من إصدار محدود كانت خالية من أي أزرار تقليدية، ولا تحتوي سوى على شاشة ضخمة بحجم 35انش تمتد من لوحة القيادة إلى مقعد الراكب الأمامي، بتصميم ساحر ونظام صوتي خلاب.
لكن بينما كنت أسير على الطريق السريع بسرعة 120 كم/سا، أصابني الفزع حين هطل المطر فجأة وأردت تشغيل مساحات الزجاج، فقد كان زر المساحات موجوداً داخل الشاشة!
وتكرر والأمر نفسه مع تشغيل الضوء العالي.
أما تبديل ناقل الحركة فكان من أكثر الأمور إزعاجاً، إذ كان علي النتعامل مع الشاشة لاختيار وضع “Drive” أو “Reverse”.
كانت السيارة كتلة من التكنولوجيا المتقدمة، كاميرا 360درجة ورادار رائع، معظم ما فيها يمكن التحكم به عبر الأوامر الصوتية.
كان هذا أواخر عام 2021 قبل انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي وما رافقه!!
لكن ماذا لو لم أكن أحب استخدام الأوامر الصوتية؟
أو ماذا لو لم تستجب بسبب الضجيج أو عطل فني أو لأي سبب آخر؟
شهدنا خلال العقد الماضي تحولاً جذرياً في صناعة السيارات، حيث اتجهت الشركات إلى تبني تصاميم مستقبلية تعتمد بشكل شبه كامل على التقنيات الحديثة. تحولت مقصورة السيارة إلى ما يشبه حاسوباً لوحياً ضخماً مثبتاً في لوحة القيادة، وبدأت الأزرار التقليدية بالاختفاء تدريجياً لتحل محلها واجهات رقمية تتطلب لمسات متعددة وانتباهاً بصرياً مستمراً.
حتى مقابض فتح الأبواب اختفت وتحولت إلى أجزاء كهربائية أنيقة وخفية.
لكن ماذا لو حدث حادث أو خلل داخل السيارة وتعرض الركاب للخطر؟
شعرت الصين مبكراً بخطورة هذا التوجه، الذي قد يوفر تكاليف التصنيع لكنه يعرض حياة الركاب للخطر، لذلك تعمل وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية على صياغة لوائح جديدة ستدخل حيز التنفيذ اعتباراً من تموز 2027، تلزم جميع شركات السيارات بتوفير أزرار ومفاتيح مادية للوظائف الأساسية.
ولن تكون هذه مجرد توصيات، بل قواعد ملزمة لجميع السيارات المباعة في السوق الصيني أحد أكبر أسواق السيارات في العالم.
تشمل الوظائف التي تتطلب أزراراً فعلية:
أنظمة الإضاءة، وإزالة الضباب عن الزجاج، والتحكم بماسحات الزجاج، وناقل الحركة، وأنظمة مساعدة السائق، وزر الإيقاف الطارئ.
ويجب ألا تقل مساحة كل زر عن سنتيمتر مربع واحد، حتى يسهل الضغط عليه أثناء القيادة، على أن تكون هذه الأزرار في مواقع يمكن الوصول إليها بسهولة دون الحاجة إلى إبعاد اليدين عن عجلة القيادة.
أظهرت الدراسات أن السائقين الذين يستخدمون شاشات اللمس للتحكم في وظائف السيارة الأساسية يبعدون أنظارهم عن الطريق لفترة أطول مقارنة بمستخدمي الأزرار التقليدية.
ووفقاً لبيانات السلامة المرورية، يكفي ثانيتان فقط من تشتت الانتباه لزيادة خطر وقوع الحادث ثلاثة أضعاف.
ولا تقتصر المشكلة على الشاشات وحدها، فقد كشفت البيانات الصينية أن مقابض الأبواب الإلكترونية المخفية حققت معدل نجاح بلغ 67% فقط في اختبارات التصادم الجانبي للخروج من السيارة، مقارنة بنسبة 98% للمقابض الميكانيكية التقليدية مما يعرض آلاف الأرواح للخطر في حالات الطوارئ.
ستضع هذه التوجهات سيارات تسلا أمام استحقاق حقيقي فهي كانت رائداً في تبني التصميم المعتمد بالكامل على الشاشات، إذ ذهبت تسلا إلى أبعد مدى في تبسيط مقصوراتها، حتى إنها نقلت اختيار ناقل الحركة إلى الشاشة في بعض طرازاتها، وألغت تقريباً جميع الأزرار التقليدية.
اعتمدت العديد من الشركات الصينية مثل NIO وXPeng وLi Auto، والسيارة التي جربتها في بداية المقال JIDU ROBO 01 (العلامة التجارية الصينية المشتركة بين عملاق التكنولوجيا الصيني بايدو ومجموعة جيلي القابضة)، بشكل كبير على الشاشات الضخمة للتحكم في عمليات سياراتها.
لكنها أصبحت الآن مطالبة بإعادة تصميم مقصوراتها بالكامل لتتوافق مع اللوائح الجديدة.
في المقابل، حافظت بعض الشركات مثل BYD وMG على عدد أكبر من الأزرار التقليدية في سياراتها، مما قد يمنحها ميزة تنافسية في المستقبل القريب.
وفي السياق نفسه، أعلنت منظمة Euro NCAP الأوروبية لاختبار السلامة أنها ستشجع استخدام أدوات التحكم الفعلية للوظائف الأساسية، وألمحت إلى أن السيارات التي تعتمد بالكامل على شاشات اللمس قد تصبح غير مؤهلة للحصول على تصنيف السلامة الكامل من خمس نجوم في المستقبل القريب.
ترى الصين أن السلامة يجب أن تكون في المقام الأول فوق أي اعتبارات اقتصادية، وأن توفير بضعة دولارات على حساب حياة الركاب أمر غير مقبول.
ما يجري الآن ليس مجرد تعديل تنظيمي عابر، بل هو تصحيح لمسار تكنولوجي كان قد تطرف في استخدام التكنولوجيا على حساب السلامة.
تجربتي الشخصية مع تلك السيارة علمتني أن البساطة ليست عيباً، وأن السلامة أهم من أناقة التصميم. فالأزرار التقليدية ليست مجرد تقنية قديمة، لأن السيارات ليست هواتف ذكية بعجلات.






